خلاصه الاثر في اعيان القرن الحادي عشر - المحبي - الصفحة ١٩٦
يجعلنا من المخلطين وَالْمَعْصِيَة مقررة فيهم قلت سُبْحَانَ الله وَالْعَمَل الصَّالح مُقَرر فيهم أَيْضا وَهُوَ أولى من أَن نَكُون من المصرين فان لم يصبهَا وابل فطل ثمَّ وقفت على كَلَام مطرف وَهُوَ مَا روى البيهقى عَن مطرف قَالَ انى لاستلقى فى اللَّيْل على فراشى وأتدبر الْقُرْآن فَأَعْرض نفسى على أَعمال أهل الْجنَّة فاذا أَعْمَالهم شَدِيدَة كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما مَا أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا فَلَا أرانى مِنْهُم فَأَعْرض نفسى على هَذِه الْآيَة {مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين} الى قَوْله {نكذب بِيَوْم الدّين} فَأرى الْقَوْم مكذبين فَلَا أرانى مِنْهُم فَأمر بِهَذِهِ الْآيَة {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} فأرجو أَن أكون مِنْهُم فحمدت الله تَعَالَى على مُوَافَقَته على ان المخلطين الْمَذْكُورين كَانُوا من أَعْيَان الانصار وَالصَّحَابَة الاخيار وأنى لنا باللحاق بأقلهم وَقَوله تَعَالَى {عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم} فَعَسَى وَلَعَلَّ فى الْقُرْآن يدلان على تَحْقِيق مَا بعدهمَا باجماع الْمُحَقِّقين من الْمُفَسّرين فالتوبة مَقْبُولَة مِنْهُم بِفضل الله تَعَالَى انْتهى وَمِمَّا ذكره فِيمَا يجْتَنب التَّشْبِيه بالثيران وَنَحْوهَا من الفظاظة وجهر الصَّوْت والتكلم بِمَا لَا يَلِيق بِالْمَكَانِ وَالزَّمَان وَالنَّاس يشبهون كل فظ غليظ بليد أكول بالبقرة والثور وَتقدم فِيمَا أنشدناه عَن عبد الْحق الاشبيلى وَهُوَ
(يَا رَاكب الروع للذاته ... كانه فى أتن عير)
(يَأْكُل من كل الذى يشتهى ... كانه فى كلأ ثَوْر)
وَكنت يَوْمًا فى جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة المنلا أَسد الدّين بن معِين الدّين العجمى أحد تلاميذ والدى عِنْد بعض الصُّوفِيَّة فَبَيْنَمَا المنلا أَسد يقْرَأ الْفَاتِحَة اذا فَقير من فُقَرَاء ذَلِك الصوفى صرخَ متورا فانذعر المنلا أَسد وانزعج ثمَّ الْتفت الينا وَقَالَ وَالله لم أعلم قَول فُقَرَاء الصُّوفِيَّة ثوروا من أى شئ اشتقاقه الا فى هَذَا الْوَقْت علمت انه مُشْتَقّ من لفظ الثور فانى رَأَيْت هَذَا الرجل الْآن خار خوارا كانه ثَوْر وَذكر ان بعض الوعاظ كَانَ يعظ طَائِفَة من النَّاس وَهُوَ يلقى الْكَلَام فَنظر مِنْهُم اعراضا ولغطا فَأَرَادَ أَن يستبطنهم فَقَالَ أَلا اسمعوا يَا بقر فَقَالَ بَعضهم قل يَا ثَوْر ونقلت من خطه قَالَ أوردت فى بعض مجالسى هَذَا الحَدِيث " يَقُول الله تَعَالَى للحفظة يَوْم الْقِيَامَة اكتبوا لعبدى كَذَا وَكَذَا من الاجر فَيَقُولُونَ رَبنَا لم نَحْفَظ ذَلِك عَنهُ وَلَا هُوَ فى صحفنا فَيَقُول انه نَوَاه وَقلت على هَذَا بديهة حَتَّى كَانَ المنسد على لسانى ينشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ