الاربعين في إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع) - مفيد شيرازی، شيخ محمد - الصفحة ١٠١
.روى ابن المغازلي الشافعي في المناقب ، قال : ما حكمك ؟ قال : ويلك ، تدري من هذا ؟ قال : عليّ بن أبي طالب ! وقد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : لو أنّ السموات والأرض وضعتا في كفّة وإيمانُ عليّ في كفّة ، لرجح إيمان عليّ عليه السلام .
بيان :
يفهم من كلام الرجل أ نّه كان عارفا بقبح تقدّم المفضول و احتياجه إلى من لايعتنى به لتناهي فضله ، كما هو بيّن ، لا خفاء فيه . . . والحمد للّه الملك العليّ المنّان . ثمّ أقول:انتهى ما أورده ابن أبيالحديد من الأخبار في مقام بيان اندفاع الإشكال وغيره بحذف المكرّرات مع تقديم وتأخير اقتضاه الحال . وإنّما نسب ما ذكره من الآثار إلى من سبق اسمه من الرجال مع أ نّا قد وجدنا أكثرها في غير كتب هذه الجماعة أيضا قصدا للاختصار واكتفاءً بما فيه الغنية في أداء المقصود ، فلا تغفل . تنبيه : إيّاك وأن تزعم في الشارح المذكور أ نّه من الشيعة القائلين بإمامة الأئمّة الكرام ، المقدِّمين للعترة الطاهرة على من عداهم من الأنام ؛ فإنّ ذلك من بعض الظنّ الذي يترتّب عليه الإثم يوم القيام ، بل يجب أن يعلم أ نّه ممّن : «يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد اللّه على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام» [١] . حيث إ نّه بعد ما يعترف بما تقدّم من الأخبار العامّة الواردة عنه صلى الله عليه و آله في غير موضع واحد ، وأكثرها كما عرفت نصّ صريح في خلافته عليه السلام ويقرّ أيضا بالأخبار الخاصّة الواردة عنه في مواضع مخصوصة . وكلّها نصوص جليّة دالّة على تعيّن الخلافة والإمامة بعده له عليه السلام . وبعد ما يعترف بأنّ الإمامة من الاُمور المتعلّقة بالدين وأنّ تعيين الإمام واجب لإصلاح اُمور المسلمين . كما يدلّ عليه كلام أوّل
[١] إنّما عكسنا في التوصيف للإيماء إلى أنّ ما وصفه بالعموم . بمعنى الشيوع والاشتهار بين الفريقين . موصوف بالخصوص أيضا ؛ لوروده في موضع مخصوص ، وأنّ ما وصفه بالخصوص . بمعنى اختصاص نقله وروايته أو الاستدلال به بالجمهور . موصوف بالعموم أيضا ؛ حيث إنّه ورد في كلّ موضع أو في الأكثر ، فتدبّر، (منه) .[٢] الكافي ، ج ١ ، ص ٤٥٥ ؛ من لا يحضره الفقيه ، ج ٢ ، ص ٥٩٣ .[٣] لا يخفى أنّ الأحاديث الصريحة في كونه عليه السلام وصيّا ، كثيرة مغنية عن الاحتجاج بهذه الخطبة على وصايته ، فكأنّه بنى على أحد احتمالي العبارة وأغمض عن الآخر ، وهو أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وصّى في حقهم وفي رعايتهم وفي التمسّك بهم ، بناء على أنّ المقصود تحقيق المسألة وبيان أنّها من المسلّمات ، لا بيان أنّ الحديث حجّة ودليل عليها ، فلا تغفل، (منه) .[٤] قال ابن أبي الحديد . في شرح قوله عليه السلام : «يهلك فيّ رجلان ، محبّ مفرط وباهت مفتر» وقوله : «يهلك فيّ اثنان ، محبّ غال ومبغض قال : إنّ الأفاضل من المهاجرين و الأنصار الذين ولّوا الإمامة قبله ، فلو أنكر إمامتهم وسخط فعلهم فضلاً أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه ، لقلنا إنّهم من الهالكين ، كما لو غضب عليهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله لِما ثبت من تساويهما. انتهى ؛ وفيه تصريح بأنّ منازعته معهم باللسان كافية في .... ولا حاجة إلى المعارضة بالسيف ، فافهم ، (منه) .[٥] من العجيب أنّ ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري ، نقل عن النواوي : أنّ العلماء اتفقوا على أنّ قول عمر «إن الرجل ليهذي أو ليهجر ، حسبنا كتاب اللّه » إنّما كان عن قوّة فهمه ودقيق نظره ؛ لأ نّه خشي أن يكتب اُمورا يعجز الاُمّة عنها ، فيستحقّوا العقوبة بكونها منصوصة ، فمنعه وأراد أن لا ينسدّ باب الاجتهاد. انتهى ملخّصا ، فتأمّل فيه ؛ فإنّه يرشدك إلى عماهم عن الحقّ ، حتّى جوّزوا الاجتهاد في حضور النبي صلى الله عليه و آله ، وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع ، وجوّزوا بل حكموا بأعطفيّة عمر ممّن «بُعث رحمة للعالمين» على الاُمّة ، وحكموا بأنّ رأي عمر أصوب من رأي من لا ينطق عن الهوى ، ولم يشعروا بأنّ مخالفة النبيّ صلى الله عليه و آله إذا كان بعد مماته سببا للعقوبة تكون في حياته أولى بالسببيّة ، فكأ نّه قال : إنّ عمر رضي بمخالفة النبيّ صلى الله عليه و آله في حال حياته بأن يعاقَب بالنار لئلا يستحقّ غيره العقوبة ، فتأمّل ، (منه) .[٦] سورة النجم ، الآية ٣ .[٧] إشارة بالوصف إلى بطلان الخبر الذي تمسّك به في منعها بمخالفته للقرآن ، فإنّ كلّ ما يخالفه باطل بالضرورة . لا يقال : لا مخالفة بين الخاصّ والعامّ؛ إذ يجوز العمل بهما بتخصيص العامّ به ؛ لأ نّا نقول أوّلاً : إنّ أحد آيتي الميراث وهو قوله : «للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون» الآية ، وإن كان عامّا ظاهرا في دخول النبي صلى الله عليه و آله وأولاده قابلاً للتخصيص ، إلاّ أ نّه لا يقبل التخصيص إلاّ بقويّ يقاومه وهو منتف فيما نحن فيه؛ فإنّ المنقول لا ناقل له إلاّ المدّعي أو هو وأعوانه الذين لا علم بعدالتهم لو سلم عدم كونهم متهمين في شهادتهم بسماع الخبر. ومن المعلوم أنّه لو كان العترة الطاهرة أولى بالامتثال بمدلوله . وفُرِضَ جهل باب مدينة العلم وأهل بيت الرسالة الذين هم أدرى بما فيه مع امتناعه من أهل الإيمان . يستلزم نسبة التقصير إلى المبلّغ في إنذار عشيرته الأقربين. والآية الاُخرى وهي قوله : «يوصيكم اللّه في أولادكم» الآية ، نصّ في دخوله صلى الله عليه و آله ، ظاهرة في كون من عداه مرادا ، لأنّ المخاطب مشافهة فيها هو النبيّ صلى الله عليه و آله قطعا ، ومن عداه فإنّما يدخل بمعونة الآية الاُخرى والنصّ ورعاية حقيقة الجمعيّة بملاحظة قاعدة التغليب ، فيكون معناها : «إنّ حكم الميراث في ولدك وولد اُمّتك كذا» ، فحينئذٍ كلّ ما يدلّ على خروجه صلى الله عليه و آله من الحكم مخالف لها مردود لا يمكن صدوره من الحكيم تعالى. وثانيا : إنّ المراد بمخالفته للقرآن مخالفته لما يدلّ على انتقال الميراث من الأنبياء إلى أولادهم وهو قوله : «وورث سليمان داود» إذ لا يخفى أنّ الميراث حقيقة في المال وما في حكمه الذي يبقى من المورّث ، وينقسم بين الورثة ، فيجب حمله عليها لا على العلم والخلافة مجازا. أمّا أوّلاً ، فلعدم القرينة ؛ فإنّ المنقول لا يصلح قرينة لما عرفت ، وترك ذكر من عدا سليمان لا يمنع من إرادة الحقيقة ؛ إذ يجوز أن يكون تخصيصه بالذكر لئلا يتوهّم أ نّه لم يشاركهم في الأموال لاختصاصه بمرتبة الخلافة واستغنائه بفضيلة العلم والحكمة وعلوّ الشأن ، وليعلمَ أنّ الفوز بمرتبة القرب الإلهي لا ينافي التصرّف في الحقوق الدنيويّة التي أمر اللّه بالتصرّف فيها ، وليعلم أنّه ليس من الركون المنهيّ عنه الذي ينافي رتبة النبوّة وينبئ عن دنانة المنزلة. وأمّا ثانيا ، فلأنّ صريح قوله تعالى : «ففهّمناها سليمان» الآية ، يدلّ على أ نّه قد أوتي الحكمة والنبوّة في زمان أبيه لا بعده وراثة عنه. وثالثا : إنّ المراد مخالفته لما يدلّ من القرآن على جواز انتقال الميراث من الأنبياء إلى أولادهم وهو قوله : «فهب لي من لدنك وليّا يرثني» الآية ؛ إذ لو لم يجز لم يطلب ، ولو سلم جواز جهله لم يجز تقريره عليه ، والحملُ على وراثة العلم والخلافة باطل هنا قطعا ؛ إذ لا يجوز لنبيّ اللّه أن يحسد الناس خصوصا بني أعمامه على ما آتاهم اللّه من فضله ، فكيف يجوز أن يقول إنّي خفت من أبناء عمّي أن يتصرّفوا في الخلافة ويفوزوا بالعلم والولاية ، والقول بأ نّه خاف من تصرّفهم في الأمر غصبا ومن إضلالهم الاُمّة عن الهدى باطلٌ ؛ إذ الخوف من هذه الجهة لا يستلزم طلب الولد على هذا الوجه من المبالغة ، بل كان يكفي أن يطلب نصب من يرشد إلى الهدى بعده ويقيم دين اللّه ويحاميه ، مع أ نّه لا ضرورة في الطلب ؛ لأنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده ، وهو لا يعطل عباده ولا يخلي الأرض من حجّة أبدا ، فيجب أن يكون مراده : إنّي أخاف من أبناء عمّي أن يتصرّفوا في مالي فيصرفوه في المعصية ، وأكون لهم في ذلك كالمعاون. وأيضا الوليّ الذي يرث العلم والخلافة مرضيّ فلا ينبغي له أن يقول بعد وصفه بما وصفه : «واجعله ربّ رضيّا» . سلمنا أنّ الحمل عليه جائز ، لكن نقول : لا ريب في عدم جوازه إلاّ بالقرينة المانعة عن الحقيقة؛ لأ نّه مجاز كما عرفت ولا قرينة هنا لما عرفت ، فتأمّل ، (منه) .[٨] كذا في النسخة .[٩] ممّا يدلّ على أنّ هذا هو المراد ، هو أنّ الثابت بالخبر المتواتر كون التمسّك بالعترة سببا لانتفاء الضلال ، فيجب أن يكون المقصود التنصيص على وجوب متابعتهم والتصريح بلزوم تقديم رتبتهم ومقدّمهم على وجه لا يقبل التبديل والتحريف ، فتأمّل فيه؛ فإنّه ينفعك مع الإنصاف. ثمّ من العجيب أنّ بعضهم تغافل أو غفل عن الرواية المنقولة عن الثاني ، وهي مذكورة في تاريخ بغداد ، فقال : أراد أن يذكر اسم أبي بكر ، لأنّه قد كان يعلم خلافته. أقول : ليت شعري من أين علم أنّه أراد هذا ؟ ! ولعلّه استفاده من عزله عن تبليغ البراءة ، أم من تأخيره عن صلاة الجماعة ، أم من جعل اُسامة أميرا عليه ، أم من فراره بالراية حين ولاّه. وما قيل من «أ نّه صلى الله عليه و آله أسرّ إلى حفصة أنّ أبا بكر وأباك يليان أمر الاُمّة ؛ فهذا دليل على تعيّن المراد» فمردود ، بأنّ الإسرار . كغيره من الأسرار . دليل على أ نّه لم يرد ذلك ، وعلى أنّ المراد بالإخبار الإعلام بأ نّهم يتجاوزون عن أمره وأمر اللّه ظلما وعدوانا . ثمّ إنّ عمر لو علم أنّ مراده ذلك وهو أعرف بمراده من هذا القائل ، لسارع إلى فعله لا إلى منعه ، فتأمّل ، (منه) .[١٠] سورة الفاطر ، الآية ٤٣ .[١١] سورة الأنعام ، الآية ٩٠ .[١٢] سورة المائدة ، الآية ٣ .