الاَمثال في القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٢ - التمثيل الثالث
أ: الموَمنون: وهم الذين قال سبحانه في حقّهم: (فَأَمّا الّذين آمَنُوا فَيَعْلَمُون انّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ ).
ب: الكافرون: وهم الذين قال سبحانه في حقّهم: (وَأَمّا الّذين كَفَروا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مثَلاً ). والظاهر أنّ قولهم (أراد اللّهُ) كان على سبيل الاستهزاء بادّعاء الرسول أنّ المثل وحي منزل من الله ، وإلاّ فانّ الكافرين والمنافقين كانوا ينكرون الوحي أصلاً.
ولا غرو في أن يكون شيء سبب الهداية لطائفة وسبب الضلال لطائفة أُخرى، وما هذا إلاّ لاَجل اختلاف القابليات، فمن استعد لقبول الحقّ والحقيقة فتصبح الآيات الاِلهية سبب الهداية، وأمّا الطائفة الاَُخرى المعاندون الذين صمّوا مسامعهم عن سماع كلمة الحق وآياته فينكرون الآيات ويكفرون بذلك.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ قوله سبحانه: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاّ الفاسقين) من كلامه سبحانه، ولا صلة له بكلام المنكرين، بل تم كلامه بقوله: (بها مثلاً) وهو انّ الاَمثال توَثر في قوم دون قوم.
ثمّ إنّه يعلّل إضلال غير الموَمنين بفسقهم ويقول: (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الفاسقين )، والفسق: عبارة عن خروج النواة من التمر، وفي الاصطلاح: من خرج عن طاعة الله ، سواء أكان مسلما متجرياً أو كافراً فاسقاً.
وقد أطنب المفسرون الكلام في مفاد الجملة الاَخيرة أعني: (يُضِلُّ به
كثيراً وَيَهْدي بهِ كَثيراً) فربما يتوهم أنّ الآية بصدد الاِشارة إلى الجبر، فحاولوا
تفسير الآية بشكل يتلاءم مع الاختيار، وقد عرفت أنّ الحقّ هو أنّ الآية بصدد
بيان أنّ المواعظ الشافية والكلمات الحِكَمية لها تأثير معاكس فيوَثر في القلوب
المستعدة تأثيراً إيجابياً وفي العقول المنتكسة تأثيراً سلبياً.