الاَمثال في القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٠ - التمثيل الثالث
الكبر، ولكن الاَوّل هو الاَوفق لمقصود المتكلم . كما يقال عند لوم المتجرى: بأنّك تقترف جريمة لاَجل دينار بل فوقه، أي نصف دينار، والمراد من الفوقية هو الفوقية في الحقارة.
وقد أورد الزمخشري على نفسه سوَالاً، وهو: كيف يضرب الله المثل لما دون البعوضة وهي في النهاية في الصغر؟ ثمّ أجاب:
إنّ جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلاّ تحركها فإذا سكنت، فالسكون يواريها، ثمّ إذا لوّحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة، وتفاصيل خلقتها، ويبصر بصرها، ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر سبحان الذي خلق الاَزواج كلّها مما تنبت الاَرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون.[١]
وقال البيضاوي: لما كانت الآيات السابقة متضمنة لاَنواع من التمثيل عقب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له والشرط فيه، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر، والخسة والشرف، دون الممثل، فانّ التمثيل إنّما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له، ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فانّ المعنى الصرف إنّما يدركه العقل مع منازعة من الوهم، لاَنّ من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الاَمثال في الكتب الاِلهية وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم
[١] الكشاف:١|٢٠٥ـ ٢٠٦.