الاَمثال في القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٩ - التمثيل السادس عشر
ذلك للبخل منه سبحانه، بل لفقدان الاَرضية الصالحة، لاَنّه أخلد إلى الاَرض ولصق بها، وكأنّها كناية عن الميل والنزوع إلى التمتع بالملاذ الدنيوية، ومعه كيف تشمله العناية الربانية.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى وجه آخر لعدم تعلّق مشيئته بهدايته، وهو انّ هذا الاِنسان بلغ في الضلالة والغواية مرحلة صارت سجية وطبيعة له، ومزج بها روحه ونفسه وفطرته، فلا يصدر منه إلاّ التكذيب والاِدبار عن آياته، فلذلك لا يوَثر فيه نصيحة ناصح ولا وعظ واعظ، ولتقريب هذا الاَمر نأتي بتمثيل في ضمن تمثيل، ونقول:
(فَمَثَلهُ كَمَثل الكَلْب انْ تَحْمل عَلَيه يَلْهَث أَوْ تَتْركهُ يَلهَث )، وذلك لاَنّ اللهث أثر طبيعي لسجيته فلا يمكن أن يخلّص نفسه منها.
هذا هو المشبه به، وهو يعرب عن أنّ الهداية والضلالة بيد الله تبارك وتعالى، وقد تعلّقت مشيئته بهداية الناس بشرط أن تتوفر فيه أرضية خصبة توَهله لتعلّق مشيئته تعالى به، فمن أخلد إلى الاَرض ولصق بها، أي أخلد إلى المادة والماديات، فلا تشمله الهداية الاِلهية بل هو محكوم بالضلال لكن ضلالاً اختيارياً مكتسباً.
هذا هو حال المشبه به، وقد عرفت أنّ التمثيل يتضمن تمثيلاً آخر.
وأمّا المشبه فقد اختلفت كلمة المفسرين فيه، فربما يقال: إنّ المراد أُمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر، وكانت قصته انّه قرأ الكتب وعلم أنّ الله سبحانه يرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلمّـا بعث سبحانه محمداً حسده ومرّ على قتلى بدر فسأل عنهم، فقيل: قتلوا في حربهم مع النبي، فقال: لو كان نبياً لما قتل أقرباءه، وقد ذهب إلى الطائف ومات بها،