الاَمثال في القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٤ - التمثيل السادس
وما ذكرنا هو المستفاد من الآيات وقد صرح به الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: قال:
"لا يقولنّ أحدكم: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، لاَنّه ليس أحد إلاّ و هو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فانّ الله سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أنّما أَموالكُمْ وَأَولادكُمْ فِتْنَة) ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالاَموال والاَولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الاَفعال التي بها يُستحق الثواب والعقاب". [١]
إلى هنا تبين معنى مفردات الآية وسبب نزولها والآيات التي وردت في هذا الصدد في حقّ سائر الاَُمم.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية.
يقول سبحانه: إنّ الابتلاء بالبأساء والضراء سنة إلهية جارية في الاَُمم كافة ولا تختص بالاَُمة الاِسلامية، فالتمحيص وتمييز الموَمن الصابر عن غير الصابر رهن الابتلاء. فلا يتمحض إيمان المسلم إلاّ إذا غربل بغربلة الامتحان ليخرج نقياً.ولا يترسخ الاِيمان في قلبه إلاّ من خلال الصمود والثبات أمام أعاصير الفتن الهوجاء.
وكأنّ الآية تسلية لنبيه وأصحابه مما نالهم من المشركين وأمثالهم، لاَنّ سماع أخبار الاَُمم الماضية يسهّل الخطب عليهم، وانّ البلية لا تختص بهم بل تعم غيرهم أيضاً، ولذلك يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ )أي أظننتم وخلتم أيها الموَمنون أن تدخلوا الجنة (ولمّا يَأْتِكُمْ مَثلُ الّذين خَلوا مِنْ قَبْلِكُم )، أي أن تدخلوا الجنة ولما تبتلوا وتمتحنوا بمثل ما ابتليت به الاَُمم السالفة وامتحنوا به. فعليكم بالصبر والثبات كما صبر هوَلاء وثبتوا.
[١] نهج البلاغة: قسم الحكم: الحكمة ٩٣.