بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٦ - المرجئة
فاكتفت بأحد الأمرين من الإقرار أو المحبّة لله [١]. إلى غير ذلك من الأقوال والآراء لهم في حقيقة الإيمان [٢].
وعلى ضوء هذا لا يصحّ أن يقال إنّ المرجئة هم الّذين قدّموا القول وأخّروا العمل. بل أخّروا العمل جميعاً وأمّا غيره فقد اكتفوا في تحقّق الايمان تارة بالاذعان القلبي ، وأُخرى بالاقرار باللسان ، هذه ملاحظة بسيطة حول هذه النظرية. وهناك ملاحظة أُخرى ربّما تبطل أصلها وهي :
أنّ التّاريخ يدلّ على أنّ أوّل من قال بالإرجاء هو الحسن بن محمّد بن الحنفيّة ، لا بمعنى تقديم القول أو الاذعان القلبي وتأخير العمل ، بل المراد تقديم القول في الشيخين وتصديقهما ، وتأخير القول في حقّ عثمان وعليّ وطلحة والزبير وإرجاء أمرهم إلى الله سبحانه ، والتوقّف فيهم. وإليك النّصوص التاريخيّة الّتي تدلّنا على أنّ أساس الإرجاء هوالتوقّف في حق الخليفتين الأخيرين والمقاتلين لهما.
قال ابن سعد : « كان الحسن بن محمّد بن الحنفيّة أوّل من تكلّم بالإرجاء وعن زاذان وميسرة أنّهما دخلا على الحسن بن محمّد بن علي ، فلاماه على الكتاب الّذي وضعه على الإرجاء. فقال لزاذان : « يا أبا عمرو لوددت أنّي كنت مِتُّ ولم أكتبه » وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز » ! [٣].
وقال ابن كثير في ترجمة الحسن : « وكان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف والفقه. وقال أيّوب السختياني وغيره : كان أوّل من تكلّم في الإرجاء ، وكتب في ذلك رسالة ، ثمّ ندم عليها. وقال غيرهم : كان يتوقّف في عثمان وطلحة والزّبير ، فلا يتولاّهم ، ولا يذمّهم. فلمّا بلغ ذلك أباه محمّد بن الحنفيّة ضربه فشجّه وقال : ويحك ألاّ تتولّى أباك عليّاً. وقال أبوعبيد : توفّي سنة خمس وتسعين. وقال خليفة : توفّي أيّام عمر بن عبد العزيز
[١] الفرق بين الفرق ص ٢٠٢ ط مصر.
[٢] فصل الأشعري في المقالات اختلافهم في الايمان ، وجعلهم اثنتا عشرة فرقة لاحظ ص ١٣٥ ـ ١٣٦.
[٣] الطبقات الكبرى ج ٥ ص ٣٢٨.