بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٦ - الجهميّة
منهج الجهم وقد عرفت أساس مذهبه فيما مر ، صار لفظ « الجهميّ » رمزاً لكلّ من قال بأحد هذه الاُمور ، وإن كان غير قائل بالجبر ونفي القدر. ولأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة ويراد منها المعتزلة أو القدريّة ، وعلى هذا الأساس يقول أحمد بن حنبل :
« والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق ، فهو أخبث من الأوّل ، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة ، والقرآن كلام الله ، فهو جهمي ، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم » [١].
نعم ، القوم وإن نسبوا إلى الجهم كون القرآن مخلوقاً ، لكنّه بعيد جدّاً ، لأنّه مات في آخر دولة الأمويين ولم تكن المسألة معنونة في تلك الأيّام ، وإنّما طرحت في العصر العبّاسي خصوصاً في عصر المأمون.
وقد ألّف البخاري والإمام أحمد [٢] كتابين في الردّ على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة. والمعتزلة يتبرّأون من هذا الاسم. ويتبرّأ بشر بن المعتمر ـ أحد رؤساء المعتزلة ـ من الجهميّة في ارجوزته إذ يقول :
|
ننفيهم عنّا ولسنا منهم |
|
ولا هم منّا ولا نرضاهم |
|
إمامهم جهم وما لجهم |
|
وصحب عمرو ذي التقى والعلم [٣] |
ويريد عمرو بن عبيد الرئيس الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء.
وعلى كلِّ تقدير ، فعدُّ المعتزلة « جهميّة » ظلم واعتساف ، ولم يذكر أحد منم الجهم من رجالهم ، وقد أرسل واصل بن عطاء ، حفص بن سالم إلى خراسان ، وأمره
[١] السنّة لأحمد بن حنبل : ص ٤٩.
[٢] طبع مع كتاب السنّة له.
[٣] فجر الاسلام : ص ٢٨٧ ـ ٢٨٨.