بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٤ - القدريّة
وقال تعالى : ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ ) [١] وقال تعالى في تكذيب من زعم أنّ الكفّار كفروا بمشيئة الله : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولاآبَاؤُنَا ولا حَرَّمْنَا مِنْ شَيء كَذَلِكَ ـ إلى قوله ـ وإِنْ أَنْتُمْ إلاّ تَخْرُصُونَ ) [٢] أي تكذبون.
فإن قالوا : وقال الله ( وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ ) [٣] فقل : هذه الآية وردت على الخير دون الشرّ. وقال تعالى : ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ)[٤] وقال تعالى في سورة اُخرى : ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * ومَا تَشَاءُونَ إلاّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ ) [٥].
فإن قالوا : لو أراد من العبد شيئاً ولم يفعل لكان العبد قد غلبه ، فهذا ينقلب في الأمر ، لأنّه قد خولف ولم يكن مغلوباً ، وكذلك الارادة. ألا ترى إلى من قال وأراد من مملوك شيئاً ولم يفعله ، وأمر آخر بفعل فخالف لكان المخالف في الأمر أعظم في النفوس عصيانا ، كلاّ ... بل هو الغالب ، وإنّما أمهل العصاة حلماً ولم يجبرهم على الإيمان ، لأنّ المكره لا يستحقّ ثواباً ، بل أزاح عللهم ، وأقدرهم وأمكنهم ، فمن أحسن فإلى ثوابه ، ومن أساء فإلى عقابه ، ولو شاء لأكرههم على الإيمان أجمعين كما قال تعالى : ( وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ ) [٦] وكقوله تعالى : ( وَلَو شِئْنَا لاََتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُداهَا ـ إلى قوله ـ أَجْمَعِينَ ) [٧] وقال تعالى : ( لاإِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ) [٨].
وزعمت القدريّة : أنّ الله تعالى خالق الكفر وفاعله ، ومنشئ الزنا ومخترعه ومتولّي القيادة وموجدها ، ومبتدع السرقة ومحدثها ، وكلّ قبائح العباد من صنعته ، وكلّ تفاوت فمن عنده ، وكلّ فساد فمن تقديره ، وكلّ خطأ فمن تدبيره.
فإن قالوا على سبب التلبيس : إنّ العبد يكتسب ذلك ، فإذا طولبوا بمعنى
[١] البقرة / ٢٠٥.
[٢] الأنعام / ١٤٨.
[٣] الدهر / ٣٠.
[٤] التكوير / ٢٨ ـ ٢٩.
[٥] الدهر / ٢٩ ـ ٣٠.
[٦] يونس / ٩٩.
[٧] السجدة / ١٣.
[٨] البقرة / ٢٥٦.