بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٤ - الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
وهذا بخلاف ما يقوله المعتزلة من خلود مرتكبي الكبائر في النّار إذا ماتوا بلا توبة. فكان لفكرة أهل الحديث جاذبيّة تضمّ العامّة إليهم وهذا بخلاف ما تقوله المعتزلة.
٤ ـ إنّ نجم المعتزلة أفل بعد الواثق عند ما تسنّم المتوكِّل منصّة الخلافة ، فعند ذلك صارت السلطة الحكوميّة سيفاً مصلتاً فوق رقابهم وشبحاً مرعباً يلاحقهم بعد ما كانت أداة طيّعة لهم ، والنّاس على دين ملوكهم وسلاطينهم ، ثمّ اشتدّ غضب الخلفاء عليهم على مرِّ الزمن ، فصار ذلك سبباً لذبح المعتزلة تحت كلّ حجر ومدر ، وقد استغلّ أهل الحديث والحنابلة غضب السّلطة على المعتزلة وقادوهم إلى الحدّ الّذي عرفت من النكاية.
٥ ـ إنّ المعتزلة قد اشتهروا بالقول بحريّة الفرد في أعماله وكانوا يدافعون عن حريّة الإنسان واحترام العقل ، وهذا لا يجتمع مع ما ارتكبوه في أيّام الخلفاء الثلاث ، فناقضوا بذلك أنفسهم وعارضوا تعاليمهم وأظهروا أنّهم لا يقدرون العقل حقّ قدره ، فإذا كانت الحريّة تفرض على المعتزلة أن يدينوا بخلق القرآن ، فهذا بنفسه يفرض عليهم أن لا يسوقوا النّاس بالجبر والحبس والضّرب على الاعتراف بخلق القرآن ، وغاية ما كان على المعتزلة تشكيل أندية الوعظ والارشاد والجدال الصحيح حتّى يتمّوا الحجّة على متحرّي الحقيقة أخذاً بقوله سبحانه : ( اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِين ) [١].
وأين هذا من الاصرار على تبديل السّرائر والحكومة على الضمائر وفرض العقيدة بالجبر والضّرب؟ « إنّ الحركة الفلسفيّة العلميّة الّتي بدأت تتقوّى وتنتشر بيد المعتزلة وأخذت تلقى أنصاراً وأعواناً ، لو تركت تسير في مجراها الطبيعي ، لاستطاعت أن تقضي على الرّوح الرجعية في الأُمّة على قوّتها وعنفها. ولكتب لها الفوز والنجاح ، ولكنّ
[١] سورة النحل / ١٢٥.