بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٢ - الوعد والوعيد
الكفر والارتداد والشرك والإِساءة إلى النّبي وغير ذلك ممّا يحبط الحسنات [١]. ما هو الجواب عن هذه الآيات؟ وما هو تفسيرها؟
الجواب : إنّ القائلين ببطلان الإحباط يفسِّرون الآيات بأنّ الاستحقاق في مواردها كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان بالطّاعات ، فإذا عصى الإِنسان ولم يحقِّق الشرط ، انكشف عدم الاستحقاق.
ويمكن أن يقال بأنّ الإستحقاق في بدء صدور الطّاعات لم يكن مشروطاً بعدم لحوق العصيان ، بل كان استقرار الإستحقاق في مستقبل الأيّام ، هو المشروط بعدم لحوق المعصية ، فإن فُقِد الشرط فُقِد استقرار الاستحقاق واستمراره.
يقول الشيخ الطّوسي في تفسير قوله سبحانه : ( ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كافِر ، فأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعمالُهُمْ في الدّنيا والآخرةِ وأُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيْهَا خالِدُونَ ) [٢] « معناه أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن ، لإيقاعهم إيّاها على خلاف الوجه المأمور به ، وليس المراد أنّهم استحقّوا عليها الثّواب ثمّ انحبطت ، لأنّ الإحباطَ ـ عندنا باطلُ على هذا ال [٣] وجه ».
ويقول الطّبرسي في تفسير قوله سبحانه : ( وَمَنْ يَكْفُر بالإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُو في الآخِرةِ مِنَ الخاسِرينَ ) ( المائدة : الآية ٥ ). « وفي قوله : ( فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) هنا دلالة على أنّ حبوط الأعمال لا يترتّب على ثبوت الثّواب. فإنّ الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب ، وإنّما يكون له عمل في الظّاهر لو لا كفره لكان يستحقّ الثّواب عليه ، فعبّر سبحانه عن هذا العمل بأنّه حبط ، فهو حقيقة معناه » [٤].
ويقول في تفسير قوله سبحانه : ( ويَقولُ الّذين آمنوا أهؤلاءِ الّذينَ أقسموا باللّهِ
[١] سنذكرها في آخر البحث.
[٢] سورة البقرة : الآية ٢١٧.
[٣] التبيان : ج ٢، ص ٢٠٨، ولاحظ : مجمع البيان ، ج ١، ص ٣١٣.
[٤] مجمع البيان : ج ٢، ص ١٦٣.