نظريّة عدالة الصّحابة والمرجعيّة السياسيّة في الإسلام - احمد حسين يعقوب - الصفحة ٢٥٨ - بتنصيب الإمام كمل الدين وتمت النعمة
( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) [١].
فلو أن النبي فارق الدنيا ولم ينصب الإمام والخليفة من بعده ولم يبين كيفية انتقال منصب الإمام لنا في ذلك كمال الدين وتمام النعمة ، لأن الإمام هو القائم مقام النبي ، والنبي هو أساس نظام الدين ونظام الدنيا وهو محور كل تحرك.
وقد اكتشف الحكام ذلك ، فلم يصدف على الإطلاق أن مات حاكم دون أن يعين عملياً الحاكم الخليفة الذي يليه ، وقالوا : ( إن هذا حق مطلق لهم ) أنظر إلى قول ابن خلدون عن الخليفة :
( فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ، ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاهم ويثقون بنظره لهم في ذلك ، كما وثقوا به في ما قبل ... ) [٢].
فإذا لم يعين الخليفة القائم من يخلفه من بعده لكان موضع لوم ، انظر بربك إلى قول عبد الله بن عمر لأبيه : ( يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد ، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة ، فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ) [٣].
ثم انظر قول عائشة أم المؤمنين لعبد الله بن عمر : ( يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له : لا تدع أمة محمد بلا راع ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً ، فإني أخشى عليهم الغشة ). فأتى عبد الله فأعلمه فقال ( ومن تأمرني أن أستخلف؟ ... الخ ) [٤].
كل الخلفاء طوال التاريخ أدركوا بأن ترك الخليفة القائم للأمة دون أن يعين من يخلفه ، عمل ينافي الحكمة ، ويفتح باب الفتنة ، ويعرض من يفعل ذلك اللوم ، كما
[١] سورة المائدة آية ٣.
[٢] راجع مقدمة ابن خلدون فصل ٣٠ ص ١٢٠.
[٣] راجع مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٣٥٣.
[٤] راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ٢٣.