الإرشاد - الشيخ المفيد - الصفحة ٢٦١ - الإمام الرضا
فَجَعَل الحسن يُعَظِّمُ ذلك عليه ويُعَرِّفه ما في إِخْراجِ الأمْرِ منِ أهْله عليه ، فقالَ له المأمون : إِنّي عاهَدْتُ اللّهَ أَنَّني إِنْ ظَفِرْتُ بالمَخْلوع [١] أَخْرَجْتُ الخلافَةَ إِلى أَفَضَلِ آل أَبي طالب ، وما أَعْلَمُ أَحَداً أَفْضَلَ من هذا الرجل على وَجْهِ الأرْضَ.
فلمّا رأَى الحسنُ والفضلُ عزيمتَه على ذلك أَمسَكا عن مُعارَضَته فيه ، فاَرْسَلَهما إِلى الرضا ٧ فعَرَضا ذلك عليه فامْتَنَعَ منه ، فلم يَزالا به حتى أَجابَ ، ورَجَعا إِلى المأمونِ فعَرَّفاه إِجابتَه فَسُرَّ بذلك وجَلَسَ للخاصّة في يوم خميسٍ ، وخَرَجَ الفَضْلُ بن سهل فأَعْلَمَ الناسَ برأي المأمون في عليّ بن موسى ، وأنٌه قد ولاّه عَهْدَه وسمّاه الرضا ، وأَمَرَهم بلبْس الخُضْرةِ والعَوْدِ لبيعته في الخميس الآخر ، على أَنْ يَأْخُذُوا رِزْقَ سَنَةٍ.
فلمّا كانَ ذلك اليوم رَكِبَ الناسُ على طبقاتهم من القُوّادِ والحُجّابِ والقُضاة وغيرهم في الخُضْرة ، وجَلَسَ المأمون ووَضَعَ للرضا وسادتين عظيمتين حتى لَحِقَ بمجلسه وفَرْشِه ، وأَجْلَسَ الرضا ٧ عليهما في الخُضْرة وعليه عمامةٌ وسَيْف ، ثم أَمَرَ ابنَه العبّاس بنَ المأمون يُبايعُ له أَوّلَ الناس ، فرَفَعَ الرضا ٧ يَدَه فتَلَقّى بها وجهَ نَفْسِهِ وبِبَطْنِها وجوههم ، فقالَ له المأمون : اُبسُط يَدَك للبيعة ، فقالَ الرضا ٧ : «إِنَّ رسولَ اللهّ ٩ ، هكذا كان يبايعُ » فبايَعَه الناسُ ويَدُه فوقَ أَيْديهم ، ووُضِعَت البدَر [٢] وقامَتِ الخطباءُ والشعراء فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ فَضْلَ الرضا ٧ ، وَما كانَ من المأمونِ في أَمره.
[١] المخلوع : هو محمد بن هارون الامين.
[٢] البِدَر: جمع بدرة ، وهي عشرة آلاف درهم. «الصحاح ـ بدر ـ ٢ : ٥٨٧».