الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٥ - مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنه
يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله " [١] فقال أبو بكر : هذا من حقها ، لا بد من القتال . فقال الناس لعمر : أخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا ، فيقبل منهم الصلاة ، ويعفيهم من الزكاة ، فخلا به عمر نهاره أجمع ، فقال : والله لو منعوني عقالا [٢] كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه ، ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي ، حتى يحكم الله بيني وبينهم ، وهو خير الحاكمين ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أمرت أن أقاتل الناس على ثلاث : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة " [٣] فوالله الذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهن ، فضرب منهم من أدبر بمن أقبل ، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها . وحمدوا رأيه ، وعرفوا فضله .
قال أبو رجاء العطاردي : رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول : أنا فداؤك ، لولا أنت لهلكنا . فخمد له رأيه في قتال أهل الردة .
مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما قال : ثم إن أبا بكر عمل سنتين وشهورا [٤] ، ثم مرض مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فقال له : كيف أصبحت يا خليفة رسول الله ، فإني أرجو أن تكون بارئا ؟ قال : أترى ذلك ؟ قال : نعم ، قال أبو بكر : والله إني لشديد الوجع ، ولما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي ، إني وليت
[١] الحديث أخرجه البخاري في الإيمان ( ١٧ ) ومسلم في الإيمان ( ٣٤ و ٣٦ ) والترمذي في الإيمان ( ١ ) وتفسير سورة ( ٨٨ ) والنسائي في الجهاد ( ١ ) وابن ماجة في الفتن ( ١ ) وأحمد في مسنده من عدة طرق في ج ١ و ٢ و ٣ .
[٢] قال أبو عبيد في غريبه : " ويروى عناقا " وفي الفائق للزمخشري : وفيه : وروي : " لو منعوني جديا أذوط " . قال الكسائي : العقال صدقة عام . يقال : قد أخذ منهم عقال هذا العام إذا أخذت منهم صدقته . وقال الأصمعي : يقال : بعث فلان على عقال بني فلان : إذا بعث على صدقاتهم . ( وانظر النهاية لابن الأثير ٣ / ١١٨ . وغريب الهروي ٢ / ٣ - ٤ ) .
[٣] متفق عليه أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد في مسنده .
[٤] كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال قاله في الطبري .