الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٢٣ - وفاة معاوية رحمه الله
فسرني ذلك وأعجبني ، وذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك ، فأدي إليه أمانته ، وردي عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقا ، ولم يطلب إلا حقا . قالت :
صدق ، قد والله استودعني مالا لا أدري ما هو ، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شئ إلى يومه هذا ، فأثنى عليها الحسين خيرا ، وقال : بل أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك . ثم لقي عبد الله بن سلام ، فقال له : ما أنكرت مالك ، وزعمت أنه لكما دفعته إليها بطابعك ، فادخل يا هذا عليها ، وتوف مالك منها . فقال عبد الله بن سلام : أو تأمر بدفعه إلي جعلت فداك . قال : لا ، حتى تقبضه منها كما دفعته إليها ، تبرئها منه إذا أدته . فلما دخلا عليها قال لها الحسين : هذا عبد الله بن سلام ، قد جاء يطلب وديعته ، فأديها إليه كما قبضتها منه ، فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه ، وقالت له : هذا مالك ، فشكر لها ، وأثنى عليها ، وخرج الحسين ، ففض عبد الله خاتم بدره ، فحثا لها من ذلك الدر حثوات ، وقال : خذي ، فهذا قليل مني لك ، واستعبرا جميعا ، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء ، أسفا على ما ابتليا به ، فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ، للذي سمع منهما . فقال : أشهد الله أنها طالق ثلاثا ، اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها [١] رغبة في مالها ولا جمالها ، ولكني أردت إحلالها لبعلها ، وثوابك على ما عالجته في أمرها ، فأوجب لي بذلك الأجر ، وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شئ قدير ، ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلا ولا كثيرا . وقد كان عبد الله بن سلام سأل ذلك أرينب ، أي التعويض على الحسين ، فأجابته إلى رد ماله عليه شكرا لما صنعه بهما ، فلم يقبله ، وقال : الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه فتزوجها عبد الله بن سلام ، وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله ، وحرمها الله على يزيد . والحمد لله رب العالمين .
وفاة معاوية رحمه الله قال : وذكروا أن عتبة بن مسعود قال : مر بنا نعي معاوية بن أبي سفيان [٢]
[١] استنكحها : أي أني لم أتزوجها إلا . . .
[٢] أجمعوا على وفاته سنة ٦٠ . واختلفوا في وقت وفاته ، وفي مدة خلافته ومقدار عمره : أنظر في ذلك الطبري ٥ / ٣٢٣ - ٣٢٤ مروج الذهب ٣ / ٣ تاريخ خليفة ص ٢٢٦ فتوح ابن الأعثم ٤ / ٢٦٥ الأخبار الطوال وتاريخ اليعقوبي والاستيعاب تر ٤٩٧٧ وأسد الغابة تر ٤٩٧٧ والإصابة تر ٨٠٧٤ ومآثر الإنافة ١ / ١٠٩ ابن الأثير التاريخ ٢ / ٥٢٤ . وفي العلة التي أصابته قال : الطبري النفاثات وفي ابن الأثير : التفاتات وفي ابن الأعثم : أصابته اللقوة في وجهه . قلت لعل ذلك نتج عن ارتجاج قوي في الدماغ أودى بحياته ( قيل مات من يومه ) .