الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٥ - مخالفة بشير بن سعد ونقضه لعهدهم
عليكم رأيكم ، وتقطع أموركم ، أنتم أهل الإيواء والنصرة ، وإليكم كانت الهجرة ، ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم ، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم ، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم ، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم ، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر ، وإن أبى القوم ، فمنا أمير ومنهم أمير .
فقام عمر رضي الله عنه ، فقال : هيهات لا يجتمع [١] سيفان في غمد واحد ، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم ، وأولو الأمر منهم ، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة ، والسلطان المبين ، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة .
فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه ، فقال : يا معشر الأنصار : أملكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم ، وتولوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم ، فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا ، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة [٢] ، والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف . قال عمر بن الخطاب : فلما كان الحباب هو الذي يجيبني ، لم يكن لي معه كلام ، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهاني عنه ، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا [٣] . ثم قام أبو عبيدة ، فقال : يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى ، فلا تكونوا أول من يبدل ويغير .
مخالفة بشير بن سعد ، ونقضه لعهدهم قال : وإن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة ، قام حسدا لسعد ، وكان بشير من سادات الخزرج ، فقال : يا معشر الأنصار ، أما والله
[١] في الطبري : لا يجتمع اثنان في قرن .
[٢] الجذعة : الفتية . والجذع من الإبل ما استكمل الأربع ودخل في السنة الخامسة من العمر . والأنثى جذعة . ( عن غريب الهروي ) .
[٣] في الطبري وابن الأثير : فقال عمر : إذا ليقتلك الله ! فقال : بل إياك يقتل .