الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٦ - ما قال عمرو لأبي موسى
والله ما لكما مع كتاب الله إيراد ولا صدر . فقال أبو موسى : كفوا عنا فإنا إنما نقول فيما بقي ، ولسنا نقول فيما مضى .
ما قال عمرو لأبي موسى قال : وذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى ، فقال : يا أبا موسى ، قد عرفت حال معاوية في قريش ، وشرفه في بني عبد مناف ، وأنه ابن هند ، وابن أبي سفيان ، فما ترى ؟ فقال أبو موسى : أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي ، ولو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية ، كان أخوال ذي أصبح [١] ، ولكنني أرى وترى ، وباعده أبو موسى ، ثم غدا عليه عمرو ، فقال : يا أبا موسى إن قال قائل : إن معاوية من الطلقاء ، وأبوه رأس الأحزاب ، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صدق ، وإذا قال إن عليا آوى قتلة عثمان ، وقتل أنصاره يوم الجمل ، وبرز على أهل الشام بصفين فقد صدق ، وفينا وفيكم بقية ، وإن عادت الحرب ذهب ما بقي ، فهل لك إن تخلعهما جميعا ، وتجعل الأمر لعبد الله بن عمر ، فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا ، وقد علمت من هو مع فضله وزهده وورعه وعلمه ، فقال أبو موسى : جزاك الله بنصيحتك خيرا ، وكان أبو موسى لا يعدل بعبد الله بن عمر أحدا ، لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومكانه من أبيه ، لفضل عبد الله في نفسه ، وافترقا على هذا الأمر ، واجتمع رأيهما على ذلك [٢] . ثم إن عمرا غدا على أبي موسى بالغد ، وجماعة الشهود ، فقال : يا أبا موسى ، ناشدتك الله تعالى ، من أحق بهذا الأمر ؟ من أوفى ، أو من غدر ؟ قال أبو موسى : من أوفى . قال عمرو : يا أبا موسى ، نشدتك الله تعالى ، ما تقول في عثمان ؟ قال أبو موسى : قتل مظلوما . قال عمرو : فما الحكم فيمن قتل ؟ قال أبو موسى : يقتل بكتاب الله تعالى . قال : فمن يقتله ؟ قال : أولياء عثمان . قال : فإن الله يقول في
[١] في وقعة صفين ص ٥٤١ : ولو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح .
[٢] اختلفوا في ذلك ، فقيل إن أبا موسى هو الذي أشار على ابن العاص بخلع الرجلين ( علي ومعاوية ) وتولية عبد الله بن عمر وقد أشار ابن العاص إلى تولية ابنه عبد الله فقال له أبو موسى : إن ابنك رجل صدق ولكنك غمسته في هذه الفتنة . فرفض عمرو بن العاص رأي أبي موسى ، واتفقا على خلع الرجلين وجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاؤوا ومن أحبوا ( أنظر وقعة صفين ص ٥٤٤ و ٥٤٥ الطبري ٥ / ٦٨ - ٦٩ الأخبار الطوال ص ٢٠٠ ) .