الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٧ - ما قال عمرو لأبي موسى
كتابه العزيز : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) [ الإسراء : ٣٣ ] . قال :
فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان ؟ قال : نعم [١] . قال عمرو للقوم : اشهدوا .
قال أبو موسى للقوم : اشهدوا على ما يقول عمرو .
ثم قال أبو موسى لعمرو : قم يا عمرو ، فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك ، وما اتفقنا عليه ، فقال عمرو : سبحان الله ! أقوم قبلك [٢] وقد قدمك الله قبلي في الإيمان والهجرة ، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله ، ووافد رسول الله إليهم ، وبك هداهم الله ، وعرفهم شرائع دينه ، وسنة نبيه ، وصاحب مغانم أبي بكر وعمر ! ولكن قم أنت فقل ، ثم أقوم فأقول . فقام أبو موسى [٣] ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس . إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه ، وإني لا أهلك ديني بصلاح غيري ، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب ، وإني رأيت وعمرا أن نخلع عليا ومعاوية ، ونجعلها لعبد الله بن عمر [٤] ، فإنه لم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا ، ثم قام عمرو فقال : أيها الناس ، هذا أبو موسى شيخ المسلمين ، وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا ، وقد خلع عليا وأنا أثبت معاوية . فقال أبو موسى : ما لك ؟ عليك لعنة الله ! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث ! فقال عمرو : لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا ، واختلط الناس ، فقالوا :
والله لو اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه ، وما صلحكما بلازمنا ، وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس ، ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع ، وما أمات قولكما حقا ، ولا أحيا باطلا . ثم تشاتم أبو موسى وعمرو ، ثم انصرف عمرو إلى معاوية ، ولحق أبو موسى بمكة ، وانصرف القوم إلى علي ، فقال عدي : أما والله
[١] في الأخبار الطوال ص ١٩٩ : أن أولى منه ابنه عمرو بن عثمان .
[٢] كان عمرو بن العاص ومنذ اللقاء الأول بأبي موسى قد قدمه إن في الكلام أو الجلوس وكرمه كثيرا ، وقد عوده أن يقدمه في كل شئ وقد اغتره بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي ، وكان عمرو قد حاك خدعته بدقة وأحاط بأبي موسى من كل جانب ، والرجل غافل لا يدري كيف تجري الأمور ، وما يخطط عمرو وما يرسم في ذهنه حتى أن معاوية نفسه شكك بنية عمرو واسترابه .
[٣] عندما قام أبو موسى ليتكلم ، قال له ابن عباس يحذره ، ويحك إني لأظنه قد خدعك إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تتكلم أنت بعده ، فإن عمرا رجل غدار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت به في الناس خالفك . فقال له أبو موسى : إنا قد اتفقنا ( وقعة صفين لابن مزاحم ص ٥٤٥ - الطبري ٥ / ٧٠ ) .
[٤] في بعض الروايات : شورى بين المسلمين ( أنظر الحاشية رقم : ٢ في الصفحة السابقة ) .