الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٠٧ - كتاب أهل العراق إلى مصقلة
فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد ، ساروا بجماعتهم ، حتى نزلوا الكوفة .
كتاب أهل العراق إلى مصقلة [١] قال : وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة ، وجوه بكر بن وائل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن نعيما أخا مصقلة يستحي منك ، لما صنع مصقلة ، وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء ، ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده ، فلو كتبنا إليه كتابا ، وبعثنا من قبلنا رسولا ، فإنا نستحيي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية ، فقال علي :
اكتبوا . فكتبوا [٢] : أما بعد ، فقد علمنا أنك لم تلحق بمعاوية رضا بدينه ، ولا رغبة في دنياه ، ولم يعطفك عن علي طعن فيه ، ولا رغبة عنه ، ولكن توسطت أمرا فقويت فيه الظن ، وأضعفت فيه الرجاء ، فكان أولاهما عندك أن قلت : أفوز بالمال ، وألحق بمعاوية . ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق ، ولا السكاسك [٣] بربيعة ، ولا معاوية بعلي ، ولا أصبت [٤] دنيا تهنأ بها ، ولا حظا تحسد عليه ، وإن أقرب ما تكون مع الله ، أبعد ما تكون مع معاوية ، فارجع إلى مصرك ، فقد اغتفر أمير المؤمنين الذنب ، واحتمل الثقل ، واعلم أن رجعتك اليوم خير منها غدا ، وكانت أمس خيرا منها اليوم ، وإن كان عليك حياء من أبي الحسن ، فما أنت فيه أعظم فقبح الله أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة . فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة ، وكان لرسولهم عقل ولسان ، قال الرسول : يا مصقلة ، انظر فيما خرجت منه ، وفيما صرت إليه ، وانظر من أخذت ، ومن تركت ، وانظر من جاورت ، ومن
[١] هو مصقلة بن هبيرة الشيباني . أنظر قصة هربه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ / ٦٥ - ٦٦ . وملخصها أن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد من بلاد الأهواز ، وقد أتى معقل بن قيس بأسارى فاشتراهم مصقلة ب ٥٠٠ ألف درهم وأعتقهم ثم هرب ليلا إلى البصرة دون دفع المال . فأرسل معقل إلى ابن عباس فطالبه بالمال فهرب ليلا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة . ولما طالبه بالمال دفع له ١٠٠ ألف وبقي عليه ٤٠٠ ألف درهم فهرب ليلا إلى معاوية . ( أنظر فتوح ابن الأعثم ٢ / ٧٨ ) .
[٢] في ابن الأعثم أنهم فوضوا الحضين بن المنذر السدوسي .
[٣] السكاسك : حي من اليمن .
[٤] في ابن الأعثم : أصبت ذنبا بهما .