الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥٧ - مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم
وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع مئة رجل ، فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا ونهارا ، وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان . ثم إن طلحة قال لهم : إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه ؟ وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه .
مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم قال : وذكروا أن عثمان لما منع الماء صعد على القصر ، واستوى في أعلاه ثم نادى : أين طلحة ؟ فأتاه ، فقال : يا طلحة ، أما تعلم أن بئر رومة [١] كانت لفلان اليهودي ، لا يسقي أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن ، فاشتريتها بأربعين ألفا ، فجعلت رشائي [٢] فيها كرشاء رجل من المسلمين ، استأثر عليهم ؟ قال :
نعم . قال : فهل تعلم أن أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري ؟ لم ذلك ؟ قال :
لأنك بدلت وغيرت . قال : فهل تعلم أن رسول الله قال : من اشترى هذا البيت وزاده في المسجد فله به الجنة ، فاشتريته بعشرين ألفا ، وأدخلته في المسجد ؟
قال طلحة : نعم . قال : فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة غيري ؟ قال :
لا . قال : لم ؟ قال : لأنك غيرت وبدلت . ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي يخبره أنه منع من الماء ، ويستغيث به ، فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء ، فما كادت تصل إليه ، فقال طلحة : ما أنت وهذا ؟ وكان بينهما في ذلك كلام شديد ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت فقال لهم : إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مددا لعثمان ، في أربعة آلاف من خيل الشام [٣] ، فاصنعوا ما أنتم صانعون ، وإلا فانصرفوا وكان معه في الدار مئة رجل ينصرونه منهم عبد الله بن الزبير ، ومروان بن الحكم ، والحسن بن علي ، و عبد الله بن سلام [٤] ، وأبو هريرة ،
[١] بئر رومة : هي في عقيق المدينة . اشتراها ب ٣٥ ألف درهم ( معجم البلدان ) .
[٢] الرشاء : الحبل الذي يربط به الدلو عند إخراج الماء من البئر ، يريد أنه اعتبر نفسه واحدا من المسلمين مع الإشارة إلى تملكه البئر .
[٣] تقدم أن معاوية لما وصله كتاب عثمان تريث في الإجابة والرد معتبرا أنه لن يستطيع رد ما قضاه الله ، وأن عثمان مقتولا لا محالة . فلما أبطأ معاوية أرسل إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه عليهم . فقام وسار إليه وتابعه ناس كثير حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا ( الطبري ٥ / ١١٥ - ١١٦ ) .
[٤] وكان عبد الله بن سلام قد خرج إلى المحاصرين ودعاهم إلى فك الحصار والرجوع وحذرهم من مغبة قتل الخليفة ، فاتهموه وأهانوه فدخل على عثمان يخبره ما جرى معه فاضطرب عثمان ولم يدر ما يصنع ( الفتوح لابن الأعثم ٢ / ٢٢٣ ) .