الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٦ - مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنه
أمركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له . وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت [١] . أما والله لتتخذن نضائد [٢] الديباج ، وستور الحرير ، ولتألمن النوم [٣] على الصفوف الأذربي [٤] ، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان [٥] ، والله لأن يقدم أحدكم فضرب عنقه في غير حدث خير له من أن يخوض غمرات الدنيا [٦] . فقال له عبد الرحمن بن عوف : خفض عليك من هذا يرحمك الله ، فإن هذا يهيضك [٧] على ما بك ، وإنما الناس رجلان : رجل رضي ما صنعت ، فرأيه كرأيك ، ورجل كره ما صنعت ، فأشار عليك برأيه ، ما رأينا من صاحبك الذي وليت إلا خيرا ، وما زلت صالحا مصلحا ، ولا أراك تأسى على شئ من الدنيا فاتك [٨] . قال : أجل ، والله ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن ، ليتني كنت تركتهن ، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن ، وثلاث ليتني سألت رسول الله عنهن ، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن ، فليتني تركت بيت علي وإن كان أعلن علي الحرب ، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير ، وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي [٩] أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته نجيحا ، ولم أكن أحرقته بالنار . وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت فعلتهن ، ليتني حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم استحيه ، فإني سمعت منه ، وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه ، وليتني حيث بعثت خالد بن الوليد إلى الشام ، أني كنت بعثت
[١] العبارة في الطبري : ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تقبل ، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير . . ٣ / ٤٢٩ .
[٢] قال المبرد في الكامل : نضائد الديباج ، واحدتها نضيدة ، وهي الوسادة وما ينضد من المتاع .
[٣] في الطبري : وتألموا الاضطجاع .
[٤] كذا بالأصل والكامل للمبرد ، وفي الطبري : الأذري نسبة إلى آذربيجان من بلاد العجم .
[٥] السعدان : نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه .
[٦] زيد عند المبرد والطبري : يا هادي الطريق جرت ، إنما هو والله الفجر أو البجر .
[٧] قال المبرد : قوله يهيضك مأخوذ من قولهم : هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شئ يعنته فأذاه ، كسره ثانية أو لم يكسره ، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية .
[٨] الخبر إلى هنا الكامل للمبرد ١ / ١١ . وانظر العقد الفريد ٤ / ٢٦٨ وإعجاز القرآن ( ص ١١٦ ) .
[٩] وكان الفجاءة قد أتى أبا بكر وادعى أمامه الإسلام وطلب إليه جهاد المرتدين ، فحمله وأعطاه سلاحا فأخذ يشن غاراته على المسلمين أينما توجه . ولما أمكنت أبا بكر الفرصة منه وأمسك به أحرقه بالنار مقموطا .