الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٦ - بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين ، والسابقة في الدين ، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا ، وطاعة نبينا ، والكرم لأنفسنا [١] ، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس ، ولا نبتغي به عوضا [٢] من الدنيا فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك . ثم إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قريش ، وقومه أحق بميراثه ، وتولي سلطانه ، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم .
بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : ثم إن أبا بكر قام على الأنصار ، فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ، ثم دعاهم إلى الجماعة ، ونهاهم عن الفرقة ، وقال : إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين : أبي عبيده بن الجراح ، أو عمر فبايعوا من شئتم منهما ، فقال عمر :
معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا ، أنت أحقنا بهذا الأمر ، وأقدمنا صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل منا في المال ، وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين ، وخليفته على الصلاة ، والصلاة أفضل أركان دين الإسلام ، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ، ويتولى هذا الأمر عليك ؟ أبسط يدك أبايعك . فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير بن سعد ، عقك عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك على الإمارة ؟ قال : لا والله ، ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم .
فلما رأت الأوس ما صنع قيس [٣] بن سعد وهو من سادات الخزرج ، وما دعوا إليه المهاجرين من قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير [٤] رضي الله عنه : لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة ، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه ، فقاموا إليه فبايعوه ؟ فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه ، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه ، فجعل
[١] في الطبري : والكدح لأنفسنا .
[٢] في الطبري : عرضا .
[٣] كذا بالأصل ، تحريف . والصواب " بشير " كما في الطبري وابن الأثير ، وهذا ما يقتضيه السياق .
[٤] وهو أحد النقباء الاثني العشر . وهو من سادات الأوس ورؤسائهم .