الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٠٥ - قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم وما كان بينهم من المنازعة
فقال معاوية : مرحبا يا بن بنت رسول الله وابن صنو أبيه [١] ، ثم انحرف إلى الناس ، فقال : هذان شيخا بني عبد مناف ، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه ، فرحب وقرب ، وجعل يواجه هذا مرة ، ويضاحك هذا أخرى ، حتى ورد المدينة ، فلما خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان ، يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل ، فانصرفا عنه فمال الحسين إلى منزله ، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد فدخله .
وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام ، حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده ، ولم يدخل عليها معه أحد ، وعندها مولاها ذكوان . فقالت عائشة : يا معاوية ، أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر ؟ [٢] فقال معاوية : ما كنت لتفعلي ذلك ، قالت :
لم ؟ قال : لأني في بيت آمن ، بيت رسول الله . ثم إن عائشة حمدت الله وأثنت عليه ، وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر ، وحضته على الاقتداء بهما ، والاتباع لأثرهما ، ثم صمتت . قال : فلم يخطب معاوية ، وخاف أن لا يبلغ ما بلغت ، فارتجل الحديث ارتجالا ، ثم قال : أنت - والله يا أم المؤمنين - العالمة بالله وبرسوله ، دللتنا على الحق ، وحضضتنا على حظ أنفسنا ، وأنت أهل لأن يطاع أمرك ، ويسمع قولك ، وإن أمر يزيد قضاء من القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم ، وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم ، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم ، أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم ؟
فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره ، فقالت : أما ما ذكرت من عهود ومواثيق ، فاتق الله في هؤلاء الرهط ، ولا تعجل فيهم ، فلعلهم لا
[١] في العقد الفريد : مرحبا بسيد شباب المسلمين . وفي ابن الأثير ٢ / ٥١١ : لقيه الحسين أول الناس ، فلما نظر إليه قال : لا مرحبا ولا أهلا ، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه . فقال : مهلا فإني والله لست بأهل لهذه المقالة . وقيل إن الحسين لاقاه لما دنا من المدينة فكان لقاء معاوية له شيئا ثم أنه ندم على ما كان منه فعندما لقيه ببطن مر ، بعد خروجه من المدينة ، رحب به وأمر له بدابة وساير فالتبس على بعض المؤرخين خبر اللقاءين . ولم يذكر فيمن استقبله عبد الله بن عباس ( وانظر فتوح ابن الأعثم ٣ / ٢٣٤ ) .
[٢] وكان معاوية قد قتله سنة ٣٨ وكان محمد عاملا على مصر لعلي بن أبي طالب وقد قتله معاوية بن حديج ( أنظر تفاصيل مقتله في الطبري ٥ / ٩٤ وما بعدها ) .