جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ٧٠ - هذه تسمية من شهد العقبة من غير النقباء (رضوان اللّه عليهم و رحمته)
و تواعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الهجرة مع أبى بكر الصديق، فدفعا راحلتيهما إلى عبد اللّه بن أريقط الديلى، رجل من بنى بكر بن عبد مناة، كافر، حليف العاص بن وائل السهمى والد عمرو بن العاص، و لكنهما وثقا بأمانته، و كان دليلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة، و يتنكب عن الطريق العظمى، و كانت أم أريقط سهمية.
و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من خوخة فى ظهر دار أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، التي فى بنى جمح، ليلا، فنهضا نحو الغار الذي فى الجبل، الذي اسمه ثور بأسفل مكة، فدخلا فيه. و أمر أبو بكر ابنه عبد اللّه أن يتسمع ما يقول الناس، و أمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه، و أن يريحها عليهما ليلا ليأخذا منها حاجتهما. و كانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما بالطعام، و يأتيهما عبد اللّه بن أبى بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بالغنم، فيعفى أثرهما.
فلما فقدته قريش أتبعته بقائف معروف فقاف الأثر حتى وقف عند الغار، فقال: هنا انقطع الأثر، فنظروا، فإذا بالعنكبوت و قد نسج على قم الغار من وقته، فأيقنوا أنه لا أحد فيه، فرجعوا، و فتح اللّه تعالى فى الوقت فى جانب الغار بابا واسعا خرجا منه، فى صخرة صلد صماء لا تؤثر فيها المعاول، فأما لها اللّه عز و جل، و هى اليوم ظاهرة، لا يشك من رآها أنها لو ردت لسدت المكان، و لا يختلف أحد أن ذلك الباب لو كان هنالك حينئذ لرأته قريش جهارا. و جعلوا فى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت لبقائهما فى الغار ثلاثة أيام، أتاهما عبد اللّه بن أريقط براحلتيهما، و أتتهما أسماء بسفرتهما، و شقت نطاقها، و ربطت به السفرة و علقتها، فركبا الراحلتين، و أردف أبو بكر عامر بن فهيرة؛ فلذلك سميت أسماء ذات النطاقين. و حمل أبو بكر مع نفسه جميع ماله و هو نحو ستة آلاف درهم.