البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٨ - ثم دخلت سنة ثنتين و أربعين و مائة
أفتحه لكم، فلما كانت تلك الليلة فتح لهم باب الحصن فدخلوا فقتلوا من فيه من المقاتلة و سبوا الذرية و امتص الأصبهبذ خاتما مسموما فمات. و كان فيمن أسروا يومئذ أم منصور بن المهدي، و أم إبراهيم ابن المهدي، و كانتا من بنات الملوك الحسان.
و فيها بنى المنصور لأهل البصرة قبلتهم التي يصلون عندها بالجبان، و تولى بناءها سلمة بن سعيد ابن جابر نائب الفرات و الأبلة. و صام المنصور شهر رمضان بالبصرة و صلى بالناس العيد في ذلك المصلى.
و فيها عزل المنصور نوفل بن الفرات عن إمرة مصر و ولى عليها حميد بن قحطبة. و حج بالناس فيها إسماعيل بن على. و فيها توفى سليمان بن على بن عبد اللَّه بن عباس عم الخليفة و نائب البصرة. كان ذلك يوم السبت لسبع بقين من جمادى الآخرة، و هو ابن تسع و خمسين سنة، و صلى عليه أخوه عبد الصمد. روى عن أبيه و عكرمة و أبى بردة بن أبى موسى. و عنه جماعة منهم بنوه جعفر، و محمد، و زينب و الأصمعي. و كان قد شاب و هو ابن عشرين سنة و خضب لحيته من الشيب في ذلك السن، و كان كريما جوادا ممدحا. كان يعتق عشية عرفة في كل سنة مائة نسمة، و بلغت صلاته لبني هاشم و سائر قريش و الأنصار خمسة آلاف ألف و اطلع يوما من قصره فرأى نسوة يغزلن في دار من دور البصرة، فاتفق في نظره هذا إليهن أن قالت واحدة منهن: لو أن الأمير نظر إلينا و اطلع على حالنا فأغنانا عن الغزل؟ فنهض من فوره فجعل يدور في قصره و يجمع من حلى نسائه من الذهب و الجواهر و غيرها ما ملأ به منديلا كبيرا، ثم دلاه إليهن و نثر عليهنّ من الدنانير و الدراهم شيئا كثيرا، فماتت إحداهن من شدة الفرح، فأعطى ديتها و ما تركته من ذلك لورثتها. و قد ولى الحج في أيام السفاح، و ولى البصرة أيام المنصور، و كان من خيار بنى العباس، و هو أخو إسماعيل و داود و صالح و عبد الصمد و عبد اللَّه و عيسى و محمد، و هو عم السفاح و المنصور.
و ممن توفى فيها من الأعيان خالد الحذاء، و عاصم الأحول، و عمرو بن عبيد القدري في قول.
و هو عمرو بن عبيد بن ثوبان، و يقال ابن كيسان، التيمي مولاهم أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية و المعتزلة. روى الحديث عن الحسن البصري و عبيد اللَّه بن أنس، و أبى العالية و أبى قلابة، و عنه الحمادان و سفيان بن عيينة و الأعمش- و كان من أقرانه- و عبد الوارث ابن سعيد، و هارون بن موسى، و يحيى القطان، و يزيد بن زريع. قال الامام أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه. و قال على بن المديني و يحيى بن معين: ليس بشيء، و زاد ابن معين و كان رجل سوء و كان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع. و قال الفلاس: متروك صاحب بدعة. كان يحيى القطان يحدثنا عنه ثم تركه و كان ابن مهدي لا يحدث عنه. و قال أبو حاتم: متروك.
و قال النسائي ليس بثقة. و قال شعبة عن يونس بن عبيد: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث.