البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - و هذه ترجمته
عش ما بدا لك سالما* * * في ظل شاهقة القصور
تسعى عليك بما اشتهيت* * * لدى الرواح إلى البكور
فإذا النفوس تقعقعت* * * عن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا* * * ما كنت إلا في غرور
قال: فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديدا. فقال له الفضل بن يحيى: دعاك أمير المؤمنين تسره فأحزنته؟ فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمر فكره أن يزيدنا عمى. و من وجه آخر أن الرشيد قال لأبى العتاهية: عظني بأبيات من الشعر و أوجز فقال:-
لا تأمن الموت في طرف و لا نفس* * * و لو تمتعت بالحجاب و الحرس
و اعلم بأن سهام الموت صائبة* * * لكل مدرع منها و متّرس
ترجو النجاة و لم تسلك مسالكها* * * إن السفينة لا تجرى على اليبس
قال: فخر الرشيد مغشيا عليه. و قد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية و أرصد عليه من يأتيه بما يقول، فكتب مرة على جدار الحبس:
أما و اللَّه إن الظلم شوم* * * و ما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي* * * و عند اللَّه تجتمع الخصوم
قال: فاستدعاه و استجعله في حل و وهبه ألف دينار و أطلقه. و قال الحسن بن أبى الفهم: ثنا محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الرشيد فقال: ما خبرك؟ فقلت:
بعين اللَّه ما تخفى البيوت* * * فقد طال التحمل و السكوت
فقال: يا فلان مائة ألف لابن عيينة تغنيه و تغني عقبه، و لا تضر الرشيد شيئا. و قال الأصمعي:
كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره امرأة حسناء بين يديها قصعة و هي تسأل منها و هي تقول:-
طحطحتنا طحاطح الأعوام* * * و رمتنا حوادث الأيام
فأتيناكم نمد أكفّا* * * نائلات لزادكم و الطعام
فاطلبوا الأجر و المثوبة فينا* * * أيها الزائرون بيت الحرام
من رآني فقد رآني و رحلي* * * فارحموا غربتي و ذل مقامي
قال الأصمعي: فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها و بكى و أمر مسرورا الخادم أن يملأ قصعتها ذهبا، فملأها حتى جعلت تفيض يمينا و شمالا. و سمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج: