البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - و هذه ترجمته
و قال عمرو بن بحر الجاحظ: اجتمع للرشيد من الجد و الهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده، كان أبو يوسف قاضيه، و البرامكة وزراءه، و حاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس و أشدهم تعاظما، و نديمه عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية. و شاعره مروان بن أبى حفصة، و مغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، و مضحكه ابن أبى مريم، و زامره برصوما. و زوجته أم جعفر- يعنى زبيدة- و كانت أرغب الناس في كل خير و أسرعهم إلى كل بر و معروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف أجراها اللَّه على يدها.
و روى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول: إنا من قوم عظمت رزيتهم، و حسنت بعثتهم، ورثنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بقيت فينا خلافة اللَّه. و بينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة، فقال لا و لا نعمت عين قد بعث اللَّه من هو خير منك إلى من هو شر منى فأمره أن يقول له قولا لينا. و عن شعيب بن حرب قال: رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي: قد وجب عليك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فخوفتنى فقالت: إنه الآن يضرب عنقك. فقلت: لا بد من ذلك، فناديته فقلت:
يا هارون! قد أتعبت الأمة و البهائم. فقال: خذوه. فأدخلت عليه و في يده لت من حديد يلعب به و هو جالس على كرسي، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من المسلمين. فقال ثكلتك أمك ممن أنت؟ فقلت: من الأنبار. فقال: ما حملك على أن دعوتني باسمي؟ قال: فخطر ببالي شيء لم يخطر قبل ذلك، فقلت: أنا أدعو اللَّه باسمه يا اللَّه، أ فلا أدعوك باسمك؟ و هذا اللَّه سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى يا عيسى، يا محمد، و كنى أبغض خلقه إليه فقال: تبت يدا أبى لهب. فقال الرشيد: أخرجوه أخرجوه.
و قال له ابن السماك يوما: إنك تموت وحدك، و تدخل القبر وحدك، و تبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي اللَّه عز و جل، و الوقوف بين الجنة و النار، حين يؤخذ بالكظم و تزل المقدم، و يقع الندم، فلا توبة تقبل، و لا عثرة تقال، و لا يقبل فداء بمال. فجعل الرشيد يبكى حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا ابن السماك! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عنده و هو يبكى. و قال له الفضيل بن عياض- في كلام كثير ليلة وعظه بمكة-: يا صبيح الوجه إنك مسئول عن هؤلاء كلهم، و قد قال تعالى وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ قال حدثنا ليث عن مجاهد:
الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى حتى جعل يشهق. و قال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما و قد زخرف منازله و أكثر الطعام و الشراب و اللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش و النعيم فقال:-