رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٨٨
جئتك بالفرس؟ فقال أعطيك ملأ عليقها دراهم. وكان البدوي من عرب بني صخر. فراح ودخل عند عرب ولد علي ، وصار يدور [بين المنازل] ويميزها إلى أن وصل إلى بيت جبل ، صاحب الفرس المعروفة. فنظر وميز جيدا محل الفرس ، وعرف أين يربطها صاحبها خلال كل ليلة. ثم ذهب واختبأ في مغارة قريبة إلى أن انتصف الليل ، فجاء إلى بيت جبل ، فوجد الفرس أمام البيت ، وأرجلها مقيدة بالحديد ورأس الجنزير الغليظ ، قد أدخله جبل إلى وسط بيته حيث دق سكة وفرش فوقها فراشه ونام هو وامرأته عليها. فخلع جعيفر ثيابه وبقي عاريا حسب عوائد العرب ، لأن رجالهم ينامون عرايا تماما. ودخل بكل ظرافة بين جبل وامرأته. ٢ / ٢٨ فتارة يتمطى ويلزّ بالمرأة ، فتظن / أن زوجها في نومه [قد فعل ذلك] فتتزحزح له عن مكانها قليلا ، وتارة يلز بالرجل فيظن أنها امرأته فيتزحزح لها قليلا. ولم يزل على هذه الحال حتى عمل فاصلا بين المرأة والرجل بمقدار ذراع. وكان معه سكين حادة [١] فقوّر الفراش وخلع السكة من الأرض ووضعها [٢] على الأرض ، وقام بكل ظرافة من بينهما ، وطلع وسحب الجنزير والسكة إلى خارج البيت ، وخلّص قوائم الفرس ، ولبس ثيابه ، وأخذ رمح جبل ، وركب على الفرس ، ومدّ الرمح ولكز به جبلا ، ونبهه من نومه وقال : يا جبل ، لا تقل ما أنذرتني ، فها أنا جعيفر أخذت الفرس للوزير. فقام جبل مصروعا مثل المجنون ، ورمى الصوت في منازل ولد علي ، فركبت الخيل حالا وطارت خلفه. وكان بينها خيول عظام مشهورة ، ولكن ليس لها شهرة هذه الفرس إنما تقربها. وركب جبل فرس أخيه وهي أيضا عظيمة ، مشهورة. وصارت المطاردة فيما بينهم ، وظلوا على هذه الغارة ست ساعات. وكان أكثر الناس اقترابا من جعيفر أربعة خيالة ، وعلى الأخص جبل المذكور ، فإنه اقترب كثيرا ولم يبق لامساكه إلا القليل وفي ذلك الوقت صاح جبل : يا جعيفر : «انستر لجامها واقرص أذنها اليمين واعطبها بالركب ، تروح ولا تعود تلتحق». وهذا عند العرب يسمونه السرّ. فلكل فرس سرّ لقّنها أياه صاحبها وهو لا يقوله إلى أحد ، وذلك فقط في حين الحاجة الماسة. ففعل جعيفر حسب ما قال له جبل ، فطارت الفرس كأنها اللمع في كبد الجو ، وفي قليل من الوقت غاب جعيفر عن الخيل. فقال الخيالة الأربعة رفقاء جبل : ما هذا العمل يا جبل؟ فقال : أفضل أن تؤخذ فرسي ولا يقال أنه وجد بين خيول ولد علي من يلحقها ويعيدها ، فيكون ذلك عارا عظيما علي ، وإنه أحب إلي أن تذهب مني ولا يطلع عليها هذا الصيت ،
[١] «حادقة».
[٢] «ونيمها».