رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ١٤٤
وأعطينا الكتاب إلى المرسال [١]. وسألناه من كم يوم خرجت من عند علي؟ قال : من ستة أيام. وكان راكبا هجينا خمساويا [٢] ، فتكون الجملة ثلاثين نهارا. ثم ركب وتوجه. وبعد ذهابه قال لي الدريعي : أني تعجبت منك كيف ذكرت في مكتوب عليّ سوف ترى ما يحل بك من سطوة السلطان ، وأظهرت كما لو أننا صحيحا من طرف العثماني بهذا الشغل. قلت : نعم وهذا هو التدبير الواجب ، دعه يظن أننا من أتباع العثماني ، فيدخل عليه بالأكثر الخوف والوهم بهذه الطريقة. وكذلك إن أتانا مكتوب من العثماني بهذا المعنى ، نظهر حالنا من طرف الوهابي ، ونقطع قلوبهم من سطوة الواحد على الآخر ، ونحن نستريح ونفعل ما نريد : هذا هو عين السياسة الصالحة لنا. ففرح من ذلك.
ثم رحلنا ثاني يوم وقطعنا نهرا يقال له الساجور [٣]. فوجدنا هناك أناسا تقطعّ النهر بالفلائك لأنه نهر عظيم كبير وشاطئه كله رمل ومن الصعب جدا قطعه على ظهور الخيل إذ تغرز فيه رجل الدابة. فهذا النهر يقطع الجزيرة بالنصف ، ومواصل من الفرات إلى الدجلة [٤]. ونزلنا على طرف النهر المذكور. وكان بالقرب منا قبيلة يقال لها الشرارات. ١ / ٥٧ أميرها اسمه عابد ابن اصبيح. فهذه القبيلة تحتوي على ألفين وثلاث مئة بيت ، رجالها أهل حرب / ولكنهم عنيدون جدا وغشماء نوعا ما ، ونساء هذه القبيلة أفهم من رجالها. ثم كتب الدريعي مكتوب سلام ومحبة إلى أميرها ودعاه لكي يحضر عندنا. فلما وصل المرسل [وقرأ الرسالة] غضب ومزّق المكتوب وقال : أنا عارف بجميع هذه الحيل [٥]. قم وعد عند سيدك وقل له ما من جدوى ، والله العظيم ، إنه لن يراني في اتحادهم ، ولن يرى اسمي وختمي ولو فنيت أنا وكل عربي ومن يلوذ بي من القبائل والعشائر. فرجع المرسل وتكلم بجميع ما ذكرنا. فقال الدريعي : إني على علم تماما أنه سيحصل مثل هذه الأمور ، أولا لأن قبيلة الشرارات مشهورة بالغشم والجبن ، ثانيا لأنه توجد صداقة عظيمة بين عابد وعبد الله الهدال ، كاخيا ابن السعود ، وهو المسؤول لدى المذكور عن خرابنا. قلت : هذا رأي جيد ، ولكن كيف عرف عابد بهذه الأمور ، ومن أين له أن يعلم أن الوهابي قد اسند إلى عبد الله الهدال أمر مضادتنا؟
[١] المرسل أو الرسول.
[٢] الهجين الخمساوي يقطع في اليوم المسافة التي تقطع عادة في خمسة أيام.
[٣] يريد الخابور.
[٤] الواقع أن الخابور يصب مياهه في الفرات آتيا من نواحي الدجلة.
[٥] «الملاعيب».