رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٨٧
فبعد قليل من الزمن إذ حضر هلال ومعه جمّالان وإثنان من البدو غيره ، حتى يحملونا عندهم. فلزم أن أجد حالا مكانا للجمال وأدخلت العرب الدير. فترحبنا بهم وعملنا لهم إكراما زائدا وأخبرونا أن أهلهم ، من قبيلة ولد علي ، نازلون على ماء المزيريب [١] وأنهم بعيدون عن دمشق [٢] نحو ثلاثة أيام. فبعد يومين دبرنا شغلنا وطلعنا من دمشق [٣] في ١٥ آذار ١٨١١ ، وكان صار لنا سنة وثمانية وعشرون يوما [٤] منذ مغادرتنا حلب. فذهبنا مع العرب ونمنا ليلتين بالبرية من غير مأوى ، وهو طريق معروف من دمشق إلى المزيريب [٥]. وفي اليوم الثالث وصلنا عند العرب ، فوجدنا نزلا عظيما نحو ألف بيت ١ / ٢٨ بمواشي وخيل عظيمة ، فنزلنا في بيت / دوخي بن سمير. فعمل لنا إكراما زائدا وذبح لنا ذبيحة ، حيث كان صار بيننا معرفة ، من يوم الذي جاء إلى بيت مهنا ، لأجل مادة ناصر. وهو رجل عظيم عاقل مدبر يومى إليه ، محبوب من عربان قبيلته التي تعد نحو خمسة آلاف بيت ، وعليهم رؤوساء من أقربائهم ، وكذلك القبائل الثلاث الأخرى وهي بني صخر والسّرحان والسّرديّة ، فهم أحبابه ومعه في كل أمر يريده ، وطمعهم قليل ليس مثل قبيلة مهنا ، رزقهم كثير وخيلهم عظام مشهورة بالصيت [٦].
وفي الليلة التي وصلنا فيها كنا نتحدث بسيرة الخيل وحسنها ، فحكى لنا الأمير دوخي نكتة حدثت في قبيلته ، وكان هو وقتئذ ولدا ، فقال : إن واحدا من البدو يقال له جبل كان عنده فرس عظيمة جدا لها صيت زائع عند العرب والحضر : فسمع بها وزير الشام يقال له أسعد باشا من بيت العظم ، فأرسل طلبها من صاحبها بثمنها. فما رضي ببيعها لأن فرس البدوي أغلى عنده من امرأته وأولاده [٧]. فأرسل هدده بالكلام فما صار فائدة. فعجز الوزير عن ذلك ومن بعد ما عمل كافة الوسائل ما حصل عليها ، والدعوى صارت مسموعة عند كل الناس. واغتم الوزير جدا لأنه لا يستطيع أخذها قهرا ، ولا يرضى البدوي أن يعطيها بثمنها بل أكثر. فجاء بدوي عند الوزير يقال له جعيفر وقال له : يا سيدي ماذا تعطيني إذا
[١] «المذاريب».
[٢] «الشام».
[٣] «الشام».
[٤] على الصحيح : سنة وخمسة وعشرون يوما ، لأن الصايغ غادر حلب بتاريخ ١٨ شباط ١٨١٠.
[٥] «المذاريب».
[٦] «بالسيط».
[٧] بالأصل : «فأرسل طلبها من صاحبها بحقها ، فما عطاها لأن البدوي فراسه عنده أغلا من مرته وأولاده».