رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٢٩٣
وبين النخيل واد مفتوح ، يدخل منه إلى الدرعية من غير سور ولا أبواب ، قدر ربعها ، يقال له باب سمحان ، ولا يدخل من ذلك أحد من المسافرين» [١].
وقصره واسع ذو دورين ، وهو مبني من حجر أبيض منحوت جيدا. فلما بلغ ابن سعود خبر وصولنا أمر بإدخالنا إلى محل من محال قصره ، منظوم ظريف الأثاث فجلسنا فيه ، ثم جيء بطعام وافر فأكلنا ، وتفاءلنا بالخير وشكرنا الله تعالى ، حيث لم نطع من خوّفنا من السفر. ولما جاء المساء نظمنا ملابسنا وتزينا ثم حضرنا لمقابلة الملك ، فرأينا رجلا كان عمره خمسا وأربعين سنة ، في عينيه عبوس واتساع ، وجلده أسمر ، ولحيته في غاية السواد ، عليه قباء مشدود في وسطه بحزام أبيض ، وعلى رأسه عمامة مخططة خطوطا حمراء وبيضاء ، وعلى كتفه اليسرى مشلح أسود ، وفي يده اليمنى قضيب ملك ، كأنه علامة ملكه [٢].
كتب الشيخ الحنبلي :
«[لحيته] في غاية البياض [٣]. [وهم] يلبسون القبا ولا تحزم الأحزام السلاح. [وفي يده] ليس بقضيب بل مشعاب ، وليس علامة على الملك ، بل ينقله العام والخاص».
وكان جالسا في صدر قاعة مفروشة بالحصر والبسط الفاخرة ، وأكابر مملكته
[١] إن عبارة الشيخ الحنبلي من الإبهام بمكان ، فكيف يدخل إلى الدرعية من واد مفتوح ، وكيف لا يدخل من ذلك أحد من المسافرين؟ ويستنتج من كلامه أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب ، وكرر مرتين قوله : ليس للدرعية باب (انظر ص ٢٩٨ و٣٠٥) ، مما يحملنا على الظن أنها كانت مدينة مفتوحة ، مع أنها كانت محاطة بوسائل دفاعية هامة ، لأن عاصمة الوهابيين كانت مهددة بالحروب والغزوات. ويعلمنا المؤرخ الفرنسي ما نجان أن الدرعية كانت مكونة من خمس بليدات : هي شبه أحياء ، وكان لكل واحدة منها سور وأبراج ، وهي غصيبة وطرفيّة وسهل وقسّيرين وطريف. وكانت غصيبة وطرفية مبنيتين قرب جبل وكانت تحميهما قلعة حصينة (مانجان ، تاريخ مصر ، ج ٢ ، ص ١١٨). وعندما هاجم إبراهيم باشا الدرعية ، صمدت له القوات الوهابية ، وسدّت بعض العناصر (بوابة سمحان في الطرف الشمالي من القلعة حيث تمركز عبد الله نفسه داخل الأسوار. وفي الخامس من تشرين الثاني ، شن إبراهيم باشا هجوما شديدا مركزا على حصون المدينة من جميع الجهات) (عبد الله فيلبي ، تاريخ نجد ، ص ١٥٣ و١٥٩).
فمن الواضح الجلي بعد هذه الشواهد أن قول الشيخ الحنبلي أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب لا معنى له ، لأنها كانت مقسمة إلى خمسة أحياء ، وكل حي منها كان محاطا بالأسوار والأبراج ويدخل إليه من باب حصين. ولم يغادر إبراهيم باشا الدرعية إلا بعد أن دمرها ودمر حصونها وأبراجها.
[٢] لم يقل الصائغ أن القضيب علامة ملك ابن سعود.
[٣] الحنبلي يتكلم عن سعود والصايغ عن ابنه عبد الله.