رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٦٢
العامود. فأخذوا الدراهم وتركوا العامود. وكان طوله اثنين وستين قدما وثخنه عشرة أقدام ، من حجر الطبخ (؟) الملون : أزرق وأبيض وأحمر. وفي ذلك الوقت أخبرونا على مقطع العواميد وأنه بعيد نحو ساعة ونصف عن تدمر لطرف القبلة ، فاعتمد رأينا أن نذهب في اليوم الثاني ونرى هذا المكان. وبالغد ذهبنا مع ثلاث أنفس بالأجرة إلى ذلك المحل ، ورأينا بطريقنا أشياء كثيرة وأمورا غريبة ، لا نرى من حاجة لذكرها لأن الذين سبقونا عرفّوا عن جميع ذلك. ثم وصلنا الموضع المقصود وهي مغاير منقورة بالإزميل ، ووجدنا شيئا كثيرا من الرخام الأبيض ١ / ١٧ وقطعا كبيرة جدا / مرمية على الأرض من زمن قديم. ووجدنا عامودا من الرخام الأبيض الخالص ، الشغل لا يحتاج إلى شيء غير نقله إلى البلد. وكذلك وجدنا عامودا آخر تم نصف عمله وبقي مهملا ، فكأن الوقت ضاق على العمال فلم يكملوا صنعه ولم يتمكنوا من نقل العامود الخالص.
وكان رجوعنا من طريق غير الطريق الذي ذهبنا منه ، فوجدنا محل عين ماء مطمورة بحجار كبيرة يسميها التدامر [١] عين اورنس. فأخذ الشيخ إبراهيم يفكر ، وبعد رجوعنا إلى البيت قال : أتعرف يا ولدي بماذا أفكر؟ قلت بأي شيء تفكر؟ أفيدنا. قال : هذه العين رأيناها مطمورة ويسمونها أورنس بسبب عدم معرفتهم بتصحيح الأسماء القديمة ، فهذه عين أورليانوس ملك رومية الذي حضر من رومية طمعا بغنى تدمر ، ونكاية بزنوبيا ملكة تدمر يومئذ ، وحاصر البلد وأخذها اقتدارا ، ودخل البلد وأباد منها خلقا كثيرا. ولا يعرف أحد ماذا جرى بالملكة زنوبيا إلى يومنا هذا [٢] ، وأظن أن اورليانوس هو الذي أمر بحفر هذه العين ليستقي منها ويسقي عساكره ، فوجدت هذا الرأي عين الصواب وقريبا جدا من العقل ولكن غير موجود في التاريخ ولا مذكور في محل ، إنما هو ظن لا أكثر.
أما صنائع أهل تدمر فهو نقل الملح والقلو [٣] ، لأن بالقرب منهم محل يستخرج منه الملح اسمه السّبخة [٤]. أما القلو فهي حشيشة يحرقونها فتذوب وتصير حجرا ، فينقلونها
[١] سكان تدمر.
[٢] يعلمنا التاريخ أن الملكة زنوبيا وقعت بين أيدي الرومان وقيدت إلى روما مغلولة بسلاسل من ذهب سنة ٢٧٢ م.
[٣] القلي أو القلى رماد الغض والرمث يغسل به الثياب (لسان العرب ، مادة قلو).
[٤] السّبخة : الأرض المالحة.