رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٢٨٤
بثمنها ، لأنها كانت تساوي مبلغا وافرا من المال ، فمن جملة النحوس أنها ماتت. فصرت تارة أمشي وتارة أركب قليلا مع الخادم إلى أن دخلنا اسلامبول ، وأقمنا بالطريق ثلاثة أشهر ونحن بعذاب شديد. فحين وصولنا بلغتنا الأحوال التي جرت على الجيوش الفرنسية في مدينة موسكو ونواحيها فغمنا ذلك جدا ، وزاد الغم علينا إذ حدث وقتئذ طاعون في اسلامبول ، فاضطر حضرة الجنرال اندريوسي [١] ، الذي كان السفير [٢] يومئذ ، أن يرسلنا إلى محل خارج البلد يقال له كاغة خانه ، فأقمنا هناك ثلاثة أشهر إلى أن انتهى الطاعون. وكانت تواردت ١ / ١٢٧ الأخبار بانكسار الجيش الفرنسي وتراجعه وتلك الأحوال / التي حصلت المعروفة ، فصعب علينا ذالك جدا وأصابنا غم شديد ، وأصبحنا لا نعرف ما ذا نفعل ، وكنا مثل المجانين. وبعد أن أقمنا خمسة أشهر في اسلامبول قال الخواجه لاسكاريس : أنا الرأي عندي أن نتنقل بحرا من جزيرة إلى جزيرة إلى أن نعود إلى بر الشام ، وفي مسيرنا نستنشق أولا أخبار فرنسا ، ثم أريك جزر ارشيبيلاكو [٣] ونرى كيف الله تعالى يدبرنا. فاعتمدنا على هذا الرأي ، وسافرنا من اسلامبول مع قايق أروام ، ودرنا بعدة جزر ، وكانت الأخبار تأتينا بعكس ما نتمناه.
ثم سافرنا من جزيرة الساموس ، مع مركب آت من اسلامبول يشحن قمحا إلى جزيرة الساقظ ، فسافرنا معه تلك الليلة ، وبعد منتصف الليل ابتدأت عاصفة عظيمة وإعصار شديد جدا ، فذهب بعدد من البحارة وأخذ بعض الركاب من على ظهر المركب ، فرمينا الحنطة بالبحر ، ولم يبق برميل ولا صار ولا شراع [إلا ذهبت به الرياح] ، فدخلنا جزيرة الساقظ ونحن على آخر رمق ، فوجدنا بالجزيرة الطاعون فظللنا شهرين في دار صغيرة في حصار من الطاعون تحت اشراف الخواجه بورفيلو [٤] الذي كان عندئذ قنصلا. وخلال هذه المدة توسخت ثيابنا وأصبح من اللازم غسلها غير أننا كنا لا نستطيع أن نعطي حوائجنا ٢ / ١٢٧ خارج البيت خوفا من الطاعون ، فوجدت من المستحسن أن أقوم أن بغسلها ، وكنت رأيت / النساء تغلي الحوائج فتنظف عاجلا من غير تعب الأيادي. فأخذت من عند بيت القنصل دستا كبيرا جدا من النحاس ، وصبرت إلى الليل لكي أضع فيه الحوائج التي علينا وأغسل الجميع غسلة واحدة ، وحين كان وقت النوم وضعت جميع حوائجنا في ذلك الماعون ،
[١] Andreossy كان سفيرا من ٢٦ / ٥ / ١٨١٢ إلى ١٣ / ٨ / ١٨١٤.
[٢] (إلجيّ).
[٣] Archipielago.
[٤] Bourville.