رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ٢٠٠
أحضر معه مالا وافرا لنفقتنا [١]. فابتدأنا نتسوق من حماة بضائع تصلح للعرب لكي نشرّق معهم ونكمل مقاصدنا. فاشترينا جميع ما يلزم لنا من الحاجات ودبرنا كل شيء وأصبحنا مستعدين وإذ وصلني كتاب من عند والدتي [٢] تخبرني فيه بوفاة أخي وليس لي غيره من الأقرباء ، ومضمون الكتاب أولا وفاة المرحوم أخي في مدينة بيروت حيث توفي غريبا بالطاعون ، وثانيا تشكي لي حالها من ألم حزنها على أخي واحتراق قلبها علي ، لأنها بغير خبر مني ولا تعلم إذا كنت مت أو لم أزل حيا ، وتشرح لي وحدتها ووحشتها إذ لم يبق لها أي ملجأ تستأنس به ، فليس لها من طرف أهلها ولا من طرف والدي أحد على قيد الحياة [٣] ، فلم يبق من عائلتها أحد حي سواها ، كما لم يبق من عائلة أبي غيري. فمن شدة حزنها ووفاة أخي وفقدي اعتراها مرض سرساب [٤] ، كمثل الجنون ، وبقيت ساهية [٥] بالبلد. ففكر أيها ١ / ٨٤ القارئ في أي حال أصبحت حين قرأت هذا المكتوب / وأي حزن وغم أحاقا بقلبي ، فأخذت بالبكاء والنحيب بسبب هاتين المصيبتين ، فتارة أفكر بفقد أخي الوحيد ، وتارة أفكر بأحوال والدتي الحنونة. فأقمت ثلاثة أيام بالعويل [٦] والبكاء ليلا نهارا من غير أن يدخل الزاد إلى فمي كليا ، فترجيت الشيخ إبراهيم أن يسمح لي بكتابة مكتوب إلى والدتي كي أبرد قلبها نوعا ما فما سمح ، إذ خاف أن تحضر إلى حماة قبل سفرنا وتعطل أشغالنا. وأخيرا من بعد رجاء عظيم سمح لي أن أكتب لها مكتوبا في اليوم الذي سنذهب عند العرب لنشرق معهم ، إذ نكون عندئذ قد غادرنا حماة وذلك لكي لا تحضر عندنا ، فاعتمد رأينا على ذلك.
فبعد جميع هذه الأمور ورد إلينا من عند الدريعي أربعة رجال [٧] خيالة واثنان معهما جمال كي تحمل العفش [٨] ، وفرسان فريغان [٩] ، الواحد للشيخ إبراهيم والآخر لي ، إذ
[١] «خرجية».
[٢] لا يعلمنا الصائغ كيف وصل هذا الكتاب ، مع أن والدته لم تستلم منه أي خبر ، بل أنها تجهل إذا كان ابنها حيا أو ميتا ، كما يقول بعد أسطر قليلة.
[٣] «طيب».
[٤] نوع من السهو والتردد والتحير في الأفكار والأعمال.
[٥] «سابحة».
[٦] «بالجعير».
[٧] «أزلام».
[٨] اللبش.
[٩] «فرغ» ، فرس فريغ : واسع المشي ، سريع (لسان العرب).