رحلة فتح الله الصايغ الحلبي - فتح الله الصايغ الحلبي - الصفحة ١٢٦
لا يعرفوني ، وأنا أضحك بقلبي منهم ، ومررت عدة مرات بالطريق الذي يمرّ أمام بيتنا ، وكل رغبتي أن أرى أخي وإن لم أعرّفه بحالي ، فلم أتمكن من رؤيته ، ولم أستطع أن أعرف إذا كان مات أو مسافرا ولم أثق بأحد لأظهر حالي ، وأسأله عن أخي وعن والدتي المسكينة ، وهي لم ترني منذ نحو سنتين ، ولا عندها خبر مني ، ولم تستلم مني مكتوبا من يوم خروجنا من حلب ، لأن من جملة الشروط التي شرطها الشيخ إبراهيم علي أن لا أكاتب أحدا ولا إلى والدتي ، كي لا يزيع خبرنا بين الناس وتشتهر أمورنا. وبعد ستة أيام أنهيت جميع مطلوبي وتوجهت مع رفقائي العرب إلى الزور ، فوجدنا عربنا نازلين على شاطئ الفرات ، بقرب محل يقال له دير الشّعّار ، وكنا ذكرنا سابقا أن جميع سكانه شعار [١] ، وكان بلدا في السابق وبه عمارات قديمة لم تزل إلى الآن. فسلمت على الشيخ إبراهيم وعلى الدريعي ، وحكيت لهم ما فعلت. فقال الشيخ إبراهيم : حسنا عملت ، كنت أخشى أن تذهب وتواجه والدتك ، فتتمسك بك ولا تدعك تعود إلى عندي. ومن المؤكد أن والدتي لو رأتني لما دعتني أعود قطعا. ولعلمي بذلك عملت كل جهدي لكي لا يعرفني أحد ، ولا أنا عرّفت بحالي.
ثم وجدت أناسا كثيرين عند العرب ، من أهالي حلب وحماة وحمص والمعرة وسرمين وإدلب وكلّز وعنتاب ، ومن كل ايلة حلب وغيرها ، وهم يشترون جمالا من عند عربنا ومعهم بضائع : ملبوس ومأكول ، من مشالح وجزمات وكوفيات وقمصان خام سميك وسروج خيل ، وعدد خيل وقمصان قزّ [٢] للنساء ، ودبس وزبيب وتين وتوتون ، أي جميع لوازم العرب. وقد فتحوا سوقا [٣] عظيما وهم يبيعون بضائعهم قسما منها نقدا وقسما منها بالمقايضة [٤] ، ٢ / ٤٩ ويشتروا جمالا لأجل التحميل. / وبيع أغلى جمل بماية غرش. وأما بخصوص العملة التي يتعامل بها العرب فإنهم لا يرضون إلا بالعملة الفضية [٥]. وأكثر ما هو مقبول عندهم الريال الفرنجي. وإذا كانت قطعة العملة قيمتها خمسة غروش إلا ربع ، كما هي الحالة بالعملة العثمانية ، فإنهم ، لكي لا يغلطوا بالحساب ، يقبضونها بالتمام ، ولو أخذوا قطعة العملة بزيادة
[١] شعراء.
[٢] حرير.
[٣] «بازار».
[٤] «داكيش».
[٥] «عملة بياض».