شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٨
(وقال بعضهم إنما معنى يعلم يفعل) فلو علم قبل الخلق أنه وحده لزم أن لا يكون وحده لما ستعرفه (فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الأشياء) أي فهو اليوم بعد خلق الأشياء يعلم أنه كان واحدا قبل خلق الأشياء، لم يشاركه شئ في الوجود الأزلي لأن علمه بحدوث الأشياء يستلزم علمه بعدم مشاركة شئ معه في الوجود الأزلي وهذا معنى علمه بوحدته (فقالوا) لإثبات ما ادعوه من أنه لا يعلم في الأزل أنه وحده، وهذا القول بناء على ما زعموا من أن العالم من الصفات الفعلية الدالة على ثبوت صفة زائدة على الموصوف كما في الإنسان أو أن علمه بأنه وحده لا غيره يقتضي وجود ذلك الغير لأن تعلق العلم بلا شئ ممتنع. (إن أثبتنا أنه لم يزل عالما بأنه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليته) وذلك الغير هو العلم الذي هو فعله تعالى أو المعلوم، وهذا باطل لأنه متفرد بأزلية الوجود ولأن علمه بأنه لا غيره يستلزم جهله لثبوت الغير معه. (فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره ؟ فكتب (عليه السلام) ما زال الله عالما تبارك وتعالى ذكره) أشار (عليه السلام) إلى المذهب الصحيح الذي لا يجوز لأحد التجاوز عنه وهو أنه تعالى كان في الأزل عالما بذاته وبأنه وحده لا غيره (١)، ولا بالأشياء قبل وجودها كليها وجزئيها، وحقايقها = محله فانقطع مادة الشبهة بحذافيرها. فإن قيل هؤلاء الموالي أي التابعون للأئمة (عليهم السلام) كيف خفى عليهم مذهب أئمتهم وذهبوا هذا المذهب الباطل وإنا إذا سمعنا قول بعض مقلدة الفلاسفة أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بوجه كلي نستوحش ونستغرب ونتبرأ منهم وقولهم أقل فحشا وبشاعة من قول أولئك الموالي لأن مقلدة الفلاسفة أثبتوا علمه تعالى بذاته وبكل شئ بوجه وأولئك أنكروا علمه تعالى بكل شئ غير ذاته في الأزل قلنا أولئك لما لم يكونوا معصومين جاز عليهم الخطأ وكان ردعهم واجبا على الأئمة (عليهم السلام) وليس الخطأ والتنبيه من الأئمة قادحا فيهم إلا إذا أصروا ولم يقبلوا بعد العلم ثم أن بعضهم مثل هشام بن الحكم على فرض صحة نسبة القول إليهم لم يكن تخطئتهم إلا في التعبير وسوء اختيار الاصطلاح وقد يتفق للعلماء استعمال اصطلاحات لا يستحسنه الناس من غير قصد مثل قول المجتهدين هذا رأيي وهذا مذهبي واجتهادي مع قول الإخباريين ليس لنا رأي واجتهاد بل لا نقول إلا بما قاله الأئمة (عليهم السلام) ولا ريب في رجحان الثاني عند العوام، وقول بعضهم إعادة المعدوم ممتنعة، والواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وأن الله تعالى لا يدرك الجزئيات أي لا يحس بها بالجوارح وأمثال ذلك اصطلاحات يذهب ذهن السامع الجاهل إلى أمور غير مرادة مستبشعة وعلى ذلك ينبغي حمل كلام أمثال هشام بن الحكم في العلم والتجسيم وما ينقل من سائر العلماء ويزعم به الطعن عليهم فإنها جميعا يحمل على كونها اصطلاحات خاصة بهم. (ش) ١ - قوله " كان في الأزل عالما بذاته وبأنه وحده " قد مر سابقا أن الله تعالى منزه عن الزمان وأن أوهام الناس لا تقدر على تصور ذلك، وقد تكرر في أحاديث هذا الباب عدم جواز التغير في ذاته وعدم جواز الحدوث في علمه وقد ناسب هنا الإشارة إلى بعض أوهام الناس في الزمان لتوضيح المقام فنقول إن الأوهام العامية تزعم المكان والزمان شيئين ثابتين لا يتطرق احتمال العدم فيهما أي لا يمكن فرض عدم الفضاء وعدم الوقت = (*)