شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٨
من نفسه من الصفات اللايقة به كما مر في الحديث الثاني من هذا الباب ويحتمل أن يقرأ يعرفون على البناء للمفعول ويكون المقصود حينئذ أنه تعالى لا يعرف حق المعرفة بالنظر إلى خلقه والاستدلال بهم عليه بل الخلق يعرفون بنور ربهم كما تعرف الذرات بنور الشمس دون العكس وليس نور الله في آفاق النفوس أقل من نور الشمس في آفاق السماء قال عز من قائل * (وأشرقت الأرض بنور ربها) * فضوؤه قاطع لرين أرباب الضماير، ونوره ساطع في أبصار أصحاب البصاير، ولا يبعد أن يكون قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الحمد لله المتجلي لخلقه " (١) إشارة إلى هذا القسم من المعرفة وهذه المعرفة تنقسم إلى قسمين أحدهما أن يرى الصانع أولا والمصنوع ثانيا. / وفي هذا القسم قد يقع الالتباس (٢) فيظن أن الرؤية القلبية تعلقت بهما معا كما يقع الالتباس في الرؤية العينية للناظر إلى المرآة فإنه يظن أنه يرى نفسه والمرآة معا مع أن رؤية المرآة مقدمة على رؤيته، وثانيهما أن لا يرى مع الصانع غيره، وهذا القسم هو الفناء المطلق في الله ونظيره غفلة الناظر إلى المرآة عن رؤية شخصه إذا كان قصده من النظر إليها مشاهدة جوهرها وحسن هيئتها وسائر كمالاتها مع توجه ذهنه إلى التأمل في هذه الامور وتوغله في التعمق في محاسنها. = الثالث: معرفة ذاته تعالى لا يمكن للإنسان بتشبيهه بخلقه وذكر الجنس والفصل على ما هو دأب المنطقيين في الحدود بل معرف ذاته ذاته بأن يقال هو هو لا يشبه شيئا غيره. والمعنى الثالث اختيار الكليني والثاني اختيار الصدوق والأول يستفاد من كلام المتأخرين من الشراح على اضطراب والمعاني الثلاثة كلها صحيحة في أنفسها إلا أن الظاهر من أكثر الروايات إرادة ما اختاره الكليني، ولا يحمل هذا الحديث إلا المعنى الثاني الذي نسبناه إلى الصدوق عليه الرحمة أو معنى رابعا أدق أشار إليه الشارح وما ذكره كاف لأهل البصائر لا حاجة إلى زيادة بيان فيه وحام حوله العلامة المجلسي (رحمه الله) ونقل دعاء عرفة لسيد الشهداء (عليه السلام) " كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، ألغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيبا - إلى آخر الدعاء " ومع ذلك ذكر كلاما يوهم أنه أراد الاستدل بالآفاق والأنفس وهو ما يقال له دليل الإن أي معرفة الله بخلقه ضد ما قاله منصور بن حازم. وروى الشيخ الصدوق في التوحيد في حديث طويل أن النصراني سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمدا بالله عز وجل ؟ فقال علي بن أبي طالب: " ما عرفت الله عز وجل بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن عرفت محمدا بالله عز وجل حين خلقه فيه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة ألهم الملائكة طاعته وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف ". (ش) ١ - النهج قسم الخطب تحت رقم ١٠٦. وفيه " الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه ". ٢ - قوله " قد يقع الالتباس " يظهر في هذا المقام الشطحيات من أصحابه ويظهرون ألفاظا يشمئز منه طبع العامة ويضيق عن اقتنائها حوصلة أوهامهم وربما يشم منها رائحة الكفر لو لم يعلم من أربابها التوغل في الإيمان ولكن يدفع المتشابه بالمحكم والظاهر بالنص ويحمل كلام الناس على الصحيح مهما أمكن. (ش) (*)