شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٢
ويعلم أفرادها عند وجودها (١) واستدل عليه بأنه لو علم الجزئيات قبل وجودها لزم سلب القدرة عنه تعالى وعن العبد لأن ما علم وجوده وجب وجوده وسلب القدرة ينفي الربوبية والعبودية والوعد والوعيد والثواب والعقاب وبعث الرسل وإنزال الكتب وأجاب عنه بأن العلم تابع للمعلوم لا علة له، فإن قلت: علمه بالأشياء في الأزل عبارة عن حضورها بعينها عنده وعدم غيبتها عنه وكيف يصح ذلك مع القول بحدوثها قلت: قد عرفت وجه ذلك فيما ذكرناه آنفا ونحن نقتصر هنا على كلمة إذا تأملت فيها حق التأمل وجردت ذهنك اللطيف عن الأحكام الوهمية علمت أن علمه الأزلي بالحوادث لا ينافي حدوثها ولا يقتضي قدمها وتلك الكلمة هي أنه تعالى شأنه عالم اليوم بالشئ الذي يوجد غدا وذلك الشئ حاضر عنده اليوم (٢) كما أنه حاضر عنده غدا لا لأنه موجود اليوم بل لأنه تعالى لما لم يكن زمانيا (٣) كان نسبته إلى اليوم والغد على السواء تأمل تعرف. ١ - " ويعلم أفرادها عند وجودها " قال الشهرستاني في الملل والنحل: ومن مذهب هشام أنه تعالى لم يزل عالما بنفسه ويعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا يقال فيه محدث أو قديم. وهذا يخالف ما نقل عنه القطب بعض المخالفة لأنه تعالى على ما حكاه القطب عنده يعلم جميع المهيات بوجه كلي وعلى حكاية الشهرستاني لا يعلم شيئا إلا نفسه ولعل هشام بن الحكم قال شيئا لم ينل السامعون والحاكون حقيقة مراده لأن المؤسسين من أولي الفكر يختلج في ذهنهم أمور لم يسبق إليه غيرهم فيخترعون لما يرد في أذهانهم ألفاظا غير معهودة الاستعمال قبلهم فيتبادر ذهن السامعين إلى معنى ليس مطابقا لمقصود القائل. ألا ترى إلى قوله في العلم لا محدث ولا قديم فإنه لا يفهم منه العامة شيئا أصلا فإن الشئ أما محدث أو قديم ولا واسطة بينهما لكن هشاما اختلج بباله معنى متوسط بين المحدث المتبادر منه الحادث الزماني وبين القديم الذاتي والمتوسط الحادث الذاتي فعبر عنه بما عبر، وكذلك كثير من أساطين الحكمة والشرع لهم اصطلاحات خاصة في معان اختصوا بتعقلها وربما يذهب ذهن السامع إلى شئ بحسب الاصطلاح العام فيورث سوء الظن بهم حاشاهم عن ذلك ثم أن ما حكي عن هشام ربما يشبه في ذهن السذج بما ينسبه غير المتدبر إلى بعض الفلاسفة من أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي وليس به. وبالجملة فلا يترك المعلوم وهو جلاله قدر هشام بن الحكم بما لا يعلم صحته ويظن عدم فهم الناقلين لمراده ونقل مقصوده محرفا كما نرى في الأزمنة المتأخرة من نقل الأباطيل من أساطين العلم لسوء فهم الناقل حتى أني رأيت من يقدح في الفيض (قدس سره) بأنه مروج طريق الصوفية أو معتقد لمقالاتهم وهو عجيب. (ش) ٢ - قوله " وذلك الشئ حاضر عنده " الشئ الموجود في الزمان المستقبل لا يمكن أن يكون حاضرا مشاهدا لنا الآن لأن مشاهدتنا عبارة عن تأثير ذلك الشئ في حاستنا وهو غير موجود الآن حتى يؤثر ولا يجوز قياس علم الله تعالى وإدراكه على مشاهدتنا لأن علمه تعالى ليس بتأثر حاسة بل برابطة العلية فجاز أن يكون الحاضر والمستقبل والماضي سواء عنده في الحضور فإنه علة للجميع. (ش) ٣ - قوله " لأنه لما لم يكن زمانيا " قد تواتر هذا المعنى عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) خصوصا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فنفوا عنه الزمان كما نفوا عنه المكان وكان أن الأوهام العامية لا تتصور وجود موجود لا في مكان كذلك لا تتصور وجود موجود لا في زمان والواجب في ذلك متابعة الدليل العقلي وأقوال الأئمة (عليهم السلام) وإن لم تخضع = (*)