نقد الاقتراحات المصرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٣ - البلاغة
ولكنهم لا يحسنون أن ينشئوا جمله واحدة ولاان يؤدوا غرضا بسيطا من أغراضهم بكلام فيه مزية من مزايا البلاغة، أو شيء من فضلها. فان اكثر علماء البلاغة ليسوا ببلغاء، والكثير من
البلغاء لا يعرفون إلا النزر اليسير من قواعد البلاغة، وما يعرفونه منها لايراعونه عندما يوردون كلامهم البليغ في كتبهم وخطبهم.
وبعضهم يرى أنٍ الغاية من علم البلاغة ان يعرف المتأدب منه أعجاز القران وهذه الفكرة كثيرة الذيوع عند المتقدمين بعلوم البلاغة وإنما وضعت في عرفهم لفهم القران المجيد، وهم يريدون ان يظهروا للمؤمن أعجاز القران اطمئنانا مؤسسا على قواعد من البيان، يحمل المنصف على الاقرار باعجاز ذلك الكتاب. وهناك عامة من الناقلة وهي القدرة على اجادة الإنشاء.
أن البلاغة على مناهج القدماء ترتكز على امر اخر كائن في جوهر الذات وراء القاعدة ووراء الدراسة، والمنهاج هو مراعاة [مطابقة الحال والاعتبار المناسب]. ويختلف باختلاف السلائق ويتفاوت بتفاوت الذكاء والعبقرية. ولا يكون الكلام بليغا إلا بذلك، ولا تستطيع الدراسة والمنهاج ان تفاضل بين الذوات في كيانها وبين الانفس في غرائزها، إما في المناهج المقررة في المدارس الرسمية وفيما رأته وفرضته اللجنة، فالغرض منها نخرج طالب بليغ البيان، فصيح اللسان ولا يكون ذلك إلا بالمران، والمعرفة بشيء يسير من قواعد علم البلاغة لتزكو فيه ملكة البلاغة، وسليقة الإنشاء. وربما تكون تلك الملكة منحة إلهية من دون جهد وعناء، وقد يكون البليغ الفصيح لا يعرف أسرار البلاغة في مقاله، ولا يعرف دقائقها في منطقه، كما يعرفها من درس علم البلاغة على المنهج القديم. فلكل من المنهاجين غرض لايصح استبداله بالآخر، مع المحافظة على حصول الغرض الأول، بل لابد من الاعتناء به. وربما لزم
الجمع ما بين المنهاجين لايجاد طبقة عالية من الكتاب والخطباء والمنشئين.
ونحن نعتقد ان طريقة المتأخرين، والسير عليها ألزم لحياتنا الأدبية. سواء أكان ذلك على طبق ما نهجته اللجنة، أم على طبق منهاج آخر. ولا ريب أن الأمم الحديثة في عدولها عنها في آدابها ولغاتها ما أخطأت جادة الصواب فلا يلزم ان يكون المهندس بليغا ولا الطبيب ولا الكيمياوي ولا التاجر ولا