نظرات و تأملات - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٠ - جواب فضيلة الشيخ المراغي
٨- سألتم عن قولنا (و غير خاف أن معرفة كون المعاصي مهلكات جزء من الإيمان و عدم المبادرة إلى التوبة مفوّت لجزء من أجزاء الإيمان وقلتم لست اعرف وجه هذا الأمر فانا لو سلمنا جدلا أن هذه المعرفة جزء من التوبة فعدم حصول التوبة لا يوجب عدم حصولها لأن انتفاء الكل لا يوجب انتفاء الجزء فالشخص غير التائب يمكن أن يكون تلك المعرفة حاصلة عنده دون أن تحصل منه التوبة كما هو الحال في إبليس الخ ...)
وهذه مناقشة تأخذ حكم سابقتها، فان عناصر التوبة التي شرحناها. (العلم، الندم، الترك) لا شك انها إذا وجدت وأخذت مركزها من النفس كانت متلازمة يلزم ثانيها من أولها، وثالثها من ثانيها لأن المراد من المعرفة التصديق الذي يملك على الإنسان وجدانه ولا تجافيه جوارحه هي المعرفة المذكورة في مثل قوله تعالى" وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ" أما المعرفة التي تشير إليها فهي من نوع المعرفة المذكورة في قوله تعالى" الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ" وهي معرفة صورية لا حظ للقلب فيها و لذلك يجيء بعدها (وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) ومثلها لا يريده الغزالي ولا غيره في مثل هذا المقام، وإذا فالمعرفة الحقة لا توجد بدون توبة.
٩- سألتم عن قولنا في تعريف الغيبة (من غير ان يحرج لذلك) و القيد ضروري ما دام الكلام في الغيبة المحرمة المنهي عنها (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) و كثيراً ما يخرج اسم الحقيقة الشرعية عن عمومه اللغوي كالصلاة والزكاة والحج وما إليها.
١٠- سألتم عن قولنا (وقد يسترسل المذنب في الذنب حتى يصير طبعاً و يران على قلبه وقلتم أن أردتم أن العبد اصبح غير قادر على الترك فلا يكون الذنب ذنباً. وان أردتم انه قادر عليه فتصح منه التوبة ويمكن تحقق الندم منه) و المقصود من هذا تصوير عاقبة الإدمان والانهماك فيها على وجه الاستمرار وعدم التنبه إلى السوء عاقبتها، وان الشخص الذي يضع نفسه هذا الموضوع من المعاصي لا يفكر في عاقبتها وظل بعيداً عن الندم، ولا تحقق منه التوبة، وهذا المعنى قد جاء في قوله تعالى" كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" وجاء في قوله (ص) لينتهين أقوام عن ردعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم تم ليكونن من الغافلين) وقوله (ص) (أن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فان تاب ونزع واستغفر صقل منها. وان زاد زادت حتى يغلف قلبه) فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) وليس القصد من هذا كله ان الرجوع إلى الله والإقلاع عن الذنب اصبح غير مقدور له فلا يكلف به كيف والله يقول في حق من ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون: كلا انهم لصالوا الجحيم الخ ..
و إنما القصد التنبيه على موضع حرمانهم والسر في استمرارهم، وهو الغفلة عما للذنب من سوء العاقبة فتتحرك نفوسهم نحو المعالجة بالنظر المولد للندم، والندم المولد للإقلاع والرجوع إلى الله.
و الرين المذكور في هذا الموضوع كالختم والطبع و الغشاوة و الإقفال والغلف وما إليها من الألفاظ التي جاءت تسجل على المدمنين انهم السبب في حرمانهم وبعدهم عن الله وعن التمتع بعطفه ورضاه (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).
١١- سألتم عن قولنا (من الظن ما يباح اتباعه الخ.) وقلتم فيه أشكال من وجوه.