نظرات و تأملات - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢٩ - جواب فضيلة الشيخ المراغي
بعض هي ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك في حضرته واختير أنها احتقارة قولا أو فعلا بحضرته على الوجه المذكور و اني المح في مواد استعمال السخرية هذا المعنى.
٤- سألتم عن قولنا: (التنابز بالألقاب التداعي بها) و قلتم انه يشمل التلقيب بما هو مكروه و ما هو حسن مع أن المقصود من الآية النهي عن المكروه. فالأولى تفسيره بما فسره صاحب القاموس بالتعاير: فان هذا المعنى هو الذي استفاده القوم من هذه الآية. نعم المقصود هو النهي عن التعاير لكن التنابز وهو التداعي بالألقاب يشمل ما هو حسن وما هو مكروه و في لسان العرب (و التنابز التداعي بالألقاب وهو يكره فيما كان ذما) و النهي في الآية لا شك انه نهي عن المكروه.
٥- سألتم عن قولنا (ثم بين الله العلة في النهي) وكأنكم ذهبتم إلى أن المراد من كلمة (علة) المعنى الاصطلاحي فذهبتم ترتبون لزوم دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما، و ليس ذلك مراداً، و المقصود من كلمة (علة) في هذا المقام ونحوه ما يذكر في توجيه الحكم و سبب النهي، فهي ترادف كلمة سبب، و كلمة سر، و كلمة توجيه، و ما إلى ذلك على أن ما ذكر في صدد التوجيه يرجع إلى ظلم المسخور منه و السخرية في ذاتها ظلم للمسخور منه فهو معنى لا يكاد يفارقها سواءا كان المسخور منه افضل أم مساويا أم ادنى، و قد أشرنا إلى هذا المعنى بقولنا في السخرية ظلم بتحقير من هو في نفسه عظيم لا يستحق التحقير.
٦- سألتم عن قولنا (فحقيقة التوبة علم وندم وقصد) و قلتم (أن العلم المذكور دخيل في حقيقة الذنب بمعنى أن الذنب لا يكون ذنباً ما لم يعلم الشخص أن في ارتكابه ضرراً عظيماً، فهذا العلم دخيل في متعلق التوبة لا في حقيقتها) و طبعاً تريدون من كلمة (دخيل) كلمة (داخل)
والغزالي يفسر التوبة بالمراحل التي تكوّنها، وهي في الواقع خطوات عملية يحسن (التائب) انه قطعها، و انه لم يصل إلى غايته من الطهر و التطهير إلا بعد ملابستها، فتمتلئ نفسه أولا بالباعث وهو الإحساس بان المعاصي مهلكة معبدة فينبعث من هذا الإحساس الصادق ألم و حزن على ما فرط منه في جنب الله وينبعث من هذا الألم طلب الخلاص منه إلى ما يوجب الفرح و المسرة من العمل بما يرضي و الإقلاع عما يغضب وعند الوصول إلى هذا تكون التوبة قد تحققت عند الشخص بعناصرها، وهذا معنى محس لا يحتمل الإنكار وهو مأخوذ من قوله تعالى" وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" فالآية تشرح التوبة، وتبين أنها (ذكر الله) ويتضمن ذكر الله العلم بسوء عاقبة الذنب (والندم) وهو الاستغفار للذنوب السالفة و (الإقلاع عن الذنب) وهو تركه وعدم الإصرار على فعله، وإزاء هذه العناصر المتلازمة و التي تكوّن منها التوبة: فسرها الغزالي بجميعها فأوفى المقام حقه، وجمع عناصرها كلها و بعض العلماء نظر إلى المرحلة الأخيرة لانها الغاية ففسر التوبة بها، كما أن بعضهم نظر إلى الندم لانه اثر لما قبله وسبب لما بعده وهو العنصر الفعال ففسر التوبة به والذي يجمع العناصر ويساير دلالة القرآن أوفى وأوفق وهو رأي الغزالي الذي اخترناه.
٧- سألتم فقلتم (أن الندم من الأمور الوجدانية لا يدخل تحت اختيارنا، و إذا كان داخلا في التوبة كانت التوبة غير مقدورة) كلنا نعلم أن الندم مقدور بسببه وهو العلم بسوء العاقبة: و مطلق العلم إذا قيل فيه غير مقدور أيضا: فجوابه انه مقدور أيضا بسببه وهو النظر أو التلقي وقد عرّض الغزالي نفسه إلى مثل هذه المناقشة وأجاب عنها فيما اذكر بمثل ذلك.