نظرات و تأملات - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢ - نظرات وتأملات في كتاب العرب للدكتور فيليب متى
يتطلب فيها أن انظر في الكتاب نظرة تأمل وتدقيق وما لمست يدي هذا الكتاب بعنوانه البديع حتى قبضته قبضة ضنين لأمتع نفسي برياض معانيه و اسبح في بحر تأملاته و أفكاره، وما مناظر لبنان ذات الجمال الفتان الذي يسبي العقول ويخلب الألباب بألذ لبصري من النظر في كتاب يبحث في هذا الموضوع، وما وعي نغمات إسحاق ولا ترجيعة معبدٍ بأشهى لسمعي من رواية تروى لي في هذا الباب. ولم يكن البحث هو البكر في بابه فلقد قام جمع من مهرة العلماء المتبحرين وفحصوا ومحصوا درس نظرياته ودفعها وشحذوا القرائح في نقدها وردها وكم صادفوا عناءً في أخذها من منابعها ومصادرها وقد كانت أجنبية عن بعضهم بجميع جهاتها ونواحيها في لغتها و أدلتها ومنهج التفكير فيها و أنا أستطيع أن أحصي العشرات من المؤلفات بلغات عديدة إلا أنها لم يوجد فيها الثراء الطائل العلمي و المادة الغزيرة من المعارف.
وكم كانت أمواج الأمل تتدفق فيّ للبحث عن هذا الموضوع ولكن الحوادث الزمنية التي لا زال الدهر يسددها نحوي أذهبت المعين إلى معدنه وحلق الطائر بها عن وكره وأطفئت تلك الشعلة المتأججة فباءت النفس رمة هامدة وحالة راكدة.
وقد أدركت إذ ذاك أن سرّ الغموض في هذا الموضع ومصدر تضارب الأفكار فيه بل وفي كل أمر ليس من مشاهدات النواظر ولا من مدركات المشاعر هو أنا نحاول معرفة الحقيقة و القناعة العلمية عن طريق الظروف و الأحوال التي مرت بنا بإعمال القياس و المقارنة بينها وبين ما سبق عليها ولن نقنع بالمنقول منها مهما اتصف الناقل بالثقة و التتبع وطالما كانت هذه المحاولة للاستنتاج العقلي من هذا الطريق سيراً للوراء ومعاكسة للحقيقية الواقعية وبه نبعد عن الغاية للغاية كما ان الجمود على النقل كما فعله بعض أرباب السير وقوع في مهامه الجهل و انحراف عن المنهج المستقيم.
وهناك سرُّ آخر ألا وهو العقيدة الارتكازية الموروثة من الآباء و الأمهات أو التي ولدتها البيئة الاجتماعية فإنها قد تحوّر الآراء و الأفكار فيفسر صاحبها الحوادث التاريخية على حسب مقتضاها وربما أوجب ذلك تساهله في بعض المقدمات الاستنتاجية لمعرفة الواقع وبذلك يتوارى وجه الحقيقة عنه وتصبح بين طيات الخفاء و الكتمان.
و الماهر من العلماء في هذا المضمار هو من استطاع التوفيق بين النقل الموثوق و الاستنتاج العقلي ذي المقدمات الرصينة المحكمة مع التخلص من قيود العقيدة الارتكازية على أن يكون له النقل زيت سراج ولولب جهاز.
وقد افسد التاريخ في العصور الحاضرة وكلف الباعث عناية الجدل هو العناد الذي استحوذ على بعض قراء هذه الدراسة التاريخية ممن احتاشوا معارفهم على غير أسلوب علمي وتحمسوا لآراء نسبوها لأعلام أعجمية ضخموا ألقابها فبهت بها العرب بادئ بدء ورجف منها التاريخ ريثما يظهر الحق ويزهق الباطل بعد أن درستْ تلك الآراء على ضوء الاستقراء و العقل و أخذت من معادنها وجد إن أربابها قد ذكروها على سبيل الاحتمال و التخمين من قبيل ان الأمر ما لم تشك فيه فلا تكون على يقين منه فانعكست شكوك هؤلاء و استحالت تردداتهم إلى أذهان هذه العصبة إلى التكلم بها على سبيل الجزم و اليقين غير مكترثين ولا مبالين بزعزعة أركان ما احتفظت به أدمغة المحدثين و أرباب السير قروناً متطاولة فسمموا أفكار الطبقة الوارثة لتلك الآراء المحكمة الرصينة وارتاحت ضمائرهم لتفكيك عرى أدب تمشى قروناً متطاولة مع الزمن.