الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٨ - الخطبة الثالثة
الفارسي يقول: أنا من سلالة الملوك الأكاسرة. والرومي يقول: أنا من اولئك البطارقة والقياصرة. والعربي يشمخ بقومه أهل الكرم والشجاعة والفراسة والبراعة ... وهكذا كلٌ يريد أن يتفوق على أخيه ويستلب الحق من ذويه.
نعم! هذه هي بلية البشر الصماء وداهية المصائب الدهماء .. حب الغلبة يدعو أحدهم أن يسلب الآخر ماله ليكون أغنى منه، ويبتزه أرضه ليكون أوسع ملكاً منه، وينتزع نعيمه ورياشه ليكون أهنأ عيشاً منه .. وهكذا يسلبه كل شيء حتى يجعله بلا شيء ويكون له كل شيء.
نعم! جاء محمد (ص) فمحا كل هذه العنعنات، وطمس عيون العنصريات، وسحق جماجم القوميات، فقال- وقوله الحق-: (كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فخر لعربي على عجمي). فضيلة الأسلاف لا تنفع الأخلاف حتى يكونوا أمثالهم. الكرم هو التقوى، والفخر بشرف الخلال لا بشرف العم والخال.
علاج أدواء البشرية وأمراضها أن ينضوي الجميع تحت راية واحدة وجامعة فذة، إلَّا وهي جامعة الانتساب إلى الله وراية أن لا إله إلَّا الله، التي تجمع الهندي والتركي والعربي والرومي والفارسي، وتجعلهم أخواناً وعلى الخير أعواناً.
بثَّ- سلام الله عليه- روح الوحدة، وحمل مشعل التوحيد، ونشر راية الأخوة بين البشر .. وأجرها أولًا عملياً بين أصحابه، حتى بلغ الأمر بهم أن ملكوا بعده شرق الأرض وغربها بتلك الروح المباركة، التي جعلتهم في الأرض ملائكة يضحون كل شيء للإسلام ولا يفتخرون إلَّا بالإسلام. أهاب ذلك المصلح الأعظم صارخاً: (قولوا لا إله إلَّا الله وأسلموا تسلموا وتحصلوا على كل شيء).
ما أدرك أحد من الانبياء ما أدركه من هذا السر العميق والمعنى الدقيق والعلاج الشافي.
جعل أصول التعاليم وقواعد التكاليف الأولية ثلاثة .. ويالله ما أعظمها وما أهمها!.
أولها (العلم): وهو أول تكليف كلّف به البشر، وأول ما أوجبه الله عليهم ليرفع عنهم رذيلة الجهل المتوغلة فيهم [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]. ولم يزل النبي (ص) يحث على طلب العلم حثاً شديداً حتى قال: (إن أردتم الدنيا