الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٦
أبتهج البدن كله، وهكذا إذا انتعش الأنف برائحة طيبة انتعش كل البدن .. وكذلك المنافع متبادلة بين الأعضاء، فاليد تخدم العين وتحامي عنها، وكذلك العين تخدم اليد كما تخدم سائر الأعضاء، فإذا تبادلت المنافع وصار كل واحد من الأعضاء خادماً لسائرها، فالكل قائم بخدمة الكل، فهناك البدن الصحيح السوي، الصالح القوي، الذي لا يتسرب إلى شيء من الفساد.
أما إذا فسد بعض الأعضاء أنقطعت علاقته من الباقي وزال الأثر المقصود منه من منفعة البدن وخدمته، وربما سرى فساده إلى غيره، وكان الواجب قطعه.
هذا حال الإنسان فرداً، وعلى هذا القياس حاله مجتمعاً.
فإذا ارتبطت أفراد الأمة بعضها ببعض ارتباطاً يوجب لها الوحدة الحقيقية، تعيش بروح واحدة، وترمي إلى هدف واحد، وتكون بمثابة الجسد الواحد الصالح الصحيح الذي يسعى كل فرد من المجموع لخدمة المجموع، وإذا تألم فرد منه تألمت جميع أفراده كما قال صلوات الله عليه: (المؤمن من المؤمن كالعضو من الجسد، إذا تألم عضو أصيب سائر الجسد بالسهر والحمى) ...
هناك تصير الأمة بأفرادها كأنها بنيان مرصوص، فتتضاعف القوة، وتتوحد القوى، ولا يتسرب إليها شيء من الفساد، وتدرأ الأخطار والكوارث عنها بفضل قوتها المجتمعة، وصارت أمة صحيحة حية، صالحة قوية، لها مجدها وكيانها، وعزها وشأنها.
أما إذا كان كل فرد قد انقطعت علاقته من المجموع، وزال ذلك الربط وتمزقت تلك الوحدة، وصار كل فرد- فضلًا عن انه يشتغل لنفسه ويعمل بفرده- يسعى لهدم أخيه والإضرار به وخرابه، فقد خرب بيت الجميع، وانهدم صرح الأمة من أساسه وهو على رأسه .. ففسدت الأمة بأجمعها، وزال عنها كل عز وملكة، ووقعت في أسوأ الهلكة، وأصبحت فريسة للذئاب وطعمة للكلاب ... كما أصبحتم تشاهدون كل هذا بأعينكم.