الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٢ - وصايا وعظات
أتعرفون ما المراد بالحمامتين والورقاوين التي تبسط أحداهما جناحها للأخرى رحمة ورأفة، ووئاماً وأتحاداً على فرع نخلة؟.
هما طائفتان من المسلمين، تجمعهم لغة واحدة، وكتاب واحد، وقبلة واحدة، وأهل وطن واحد، وهم في الحسب والنسب والآباء سواء ... أفلا يجب أن يكونوا كذينك الحمامتين المتآخيتين؟!.
منح الله البصرة مزايا جليلة وخواص كريمة، أمتازت بها على سائر المدن .. فهل تحفظون هذه الكرامة وتشكرون هذه النعمة وتتحدون وتتفقون حقاً كما أوصى الله في كتابه الكريم؟؟.
نحن قلنا حتى مللنا، وأسمعنا حتى سأمنا ... أسمعنا الدعوة إلى الوحدة والاتفاق، وقلنا للمسلمين: إن الذي يقتلكم، ويفرق جمعكم، ويخمد جذوة عزائكم، ويجعلكم- بل جعلكم- أذلاء صاغرين للأجانب، هو هذا الخلاف والشقاق الذي تغلغل وتوغل فيكم ... أهبنا بالمسلمين، ودعوناهم إلى ما دعاهم إلى الله ورسوله .. ولكن هل وجدنا أثراً، أو أصبنا للأمة نفعاً أو دفعنا ضرراً؟ .. كلا!.
[أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ]، [لقد أسمعت لو ناديت ..]، [وَلَوْ علِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا ..].
منح الله- سبحانه- البشر عقولًا بها أمتازت عن البهائم ليميزوا بها الحسن من القبيح، والخير من الشر، والنافع من الضار .. فيا ترى هل بقى شك أو شبهة لأحد في ضرورة الاتحاد والاتفاق؟ .. وإن العدو ما كادهم في بلادهم إلَّا بما يدسه فيما بينهم من سموم النفاق، حتى استفحلت بليته، وأمكنت فريسته، على أوهام فارغة، وأمور فاشلة، لا حقيقة لها ولا وجود ولا أثر ولا عين.
خلق الله- سبحانه- الكائنات من عناصر وأوليات، ولكن كل عنصر من عناصر تلك الاوليات لا تترتب عليه بإنفراده فائدة ولا تظهر له في نفسه منفعة .. حتى ينظم إلى أمثاله، ويتحد مع أحزابه، ويكون- بعد الانضمام والتركيب- شيئاً واحداً له آثاره الخاصة وفوائده المعينة، أما مع الانحلال والتفكيك، فلا فائدة فيها ولا كيان لها.