الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٠ - الكوفة والبصرة
معهد اسلامي ومدرسة كبرى، وقد تخرج منه فطاحلي علماء العربية ومؤسسو العلوم الإسلامية.
هذه هي البصرة- أيها الأخوان- وهذا مربدها المشهور.
من تحت هذه السماء، ومن جذور هذه التربة، ومن سائل هذا الأثير الجوي نشأ أبو الأسود الدءلي مؤسس (علم النحو)، والخليل بن أحمد مؤسس (علم العروض) وصاحب (كتاب العين)، ومسلم بن معاذ مؤسس (علم الصرف) و (البيان) و (المنطق)- أعني المنطق العربي لا اليوناني- ... هؤلاء الفطاحل الثلاثة هم مؤسسو علوم الإسلام- العلوم التي يتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، ويستقى من ينابيعها نطف الأدب- وإليهم كانت تشد الرحال، ومن حوزة دروسهم تتخرج الرجال.
من هذه التربة والماء، وتحت قبة هذه السماء، نبعت تلك العلوم، وتبرزت اولئك الاساطين، وتخرج عليهم الأعلام المشاهير، كسيبويه، والكسائي، والاصمعي، والفراء، وخلف الأحمر، وكثير من أمثالهم .. كما إن منها نشأت طرائق الزهد والتصوف والسلوك، وكان أول من أظهرها أو تظاهر فيها في القرن الأول من قرون الإسلام (الحسن البصري) و (فرقد السنجي) وأضرابهم، بل ومن ههنا نبغت أول طائفة بحثت في العقائد، وخاضت في المادة، ونظرت في الطبيعة وما بعد الطبيعة وخواص الواجب والممكن، وهي طائفة المعتزلة، وفي طليعتهم (واصل بن عطاء) و (أبو هاشم الجبائي) وأخوانهم، وهم من أهل هذه البقعة أيضاً.
فأنت ترى إن من هذه الأجواء والأرجاء قد انبعثت أشعة جلّ العلوم الإسلامية إلى سائر الآفاق.
ثم تعاقبت عليها الخطوب، وتداولتها المحن كسائر بلاد الله، ولكنها- بحمد الله- ما خلت في وقت من الأوقات من العلماء والصالحين، الذين يرشدون إلى سواء السبيل، ويكونون للحق خير دليل. ولا غرو أن تمتاز هذه البلاد بتلك المزايا والمآثر، لما خصها الله به من المزايا الطبيعية والموقع الجغرافي الذي لم يتسن لغيرها من البلاد.