الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٠ - الخطبة الأولى
(الناس كلهم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على عجمي إلَّا بالتقوى)، (ليس منّا من دعا إلى عصبية)، يعني لا فخر بعجمية ولا عربية ولا هندية ولا تركية، وإنما الفخر بالعمل الصالح والمزايا الطيبة، الفخر بالفضيلة واجتناب الرذيلة.
نعم! العصبية والأنانية هي كل الداء، والاعتماد على الفضيلة هو منتهى الدواء .. عين الدواء بعد ان شخّص الداء، ولم يبقَ إلَّا الاستعمال، ولذا كانت شريعته خاتمة الشرائع ودينه أكمل الأديان.
كان ينادي في كل ملأ ومجتمع (أما والذي نفس محمد بيده إنكم لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تجتمعوا، ولن تجتمعوا حتى تتحابوا).
ثم مضى على ذلك صحبه الكرام، فساروا على خططه ومنهاجه واحداً بعد واحد، فكانوا أخواناً على صفاء .. حتى خاضوا البحار وملكوا الأقطار، وهم أعراب بادية، لا درس ولا مدرسة، ولا كتاب ولا مكتبة .. فتقدموا ذلك التقدم الباهر، ونجحوا ذلك النجاح الزاهر .. كل ذلك بقوة الإيمان، وعدة الوحدة والاتفاق، ونبذ التفاخر والاختلاف، حتى أخذوا بقرني الشمس مشرقها ومغربها.
قال أمير المؤمنين (ع) في النهج في أحدى خطبه: (ألزموا السواد الأعظم، فأن يد الله مع الجماعة. وأياكم والفرقة! فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما إن الشاذ من الغنم للذئب، إلَّا ومن دعا إلى هذا الشعار فأقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه) ويعني ب- (هذا الشعار) شعار التفرقة.
كلّت الألسن، وعجزت الأقلام، وتعبت الصحف من الدعوة إلى الوحدة والتوحيد وبيان إن الداء الدوي الذي أنهك الإسلام وأهلك المسلمين هو التفرق والتباغض، حتى صارت الذئاب تفترسهم والأذناب تتريسهم.
فكم قام من حكيم عرف الداء ودعا إلى استعمال الدواء، ولكن لم ينفع، وبقى الحال على ما هي عليه من سيء إلى أسوء، ومن تعيس إلى أتعس.
كلّت ألسنتنا، وملّت وتصدّعت أقلامنا، وصرنا نخشى أن نتكلم في سبيل الوحدة أو ندافع عن التفرقة، وأصبح حديث الوحدة والإتفاق مهزلة من المهازل!.