الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٨
العرب كانت من أقدم الأمم نجاراً، وأعظمها آثاراً، وأشدها بأساً، وأبعدها في التأريخ ذكراً، وأسماها فخراً. وكانت لهم في الجاهلية مزايا عالية، وأخلاق سامية، قلّما يحصل مثلها في أمة من الأمم ... الوفاء، والإباء، وحماية الذمار، وحفظ الجار، وإكرام الضيف، وصدق الحديث، والقناعة، والبساطة .. إلى كثير من أمثال ذلك. وأفضل ما أمتازوا به من الصفات الحسنة صفتان هما من أمهات مكارم الأخلاق: (الجود والشجاعة) .. وإن شئت فقل: الاستهانة بالعزيزين: (النفس والمال).
ولكن .. هل نفعها شيء من تلك المزايا الفاضلة والسجايا الكاملة؟ .. كلا! ثم كلا!.
بل كان بأسها بينها، وقوتها وبالًا عليها. فكان أكبر شاغل لها الحروب المستمرة بينها، فكانت وقائعها الشهيرة، وحروبها الكبيرة لا تحصى. وقد بلغ توالي الحروب فيها، وتفاخرها بالسبي والسلب والغارة، وإراقة الدماء بغير حق وعلى غير قاعدة وقانون، إلى فوق ما يتصوره العقل، وما يقشعر له الوجدان من الجهل والهمجية في وأد البنات وقتل الأولاد [وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ] وعبادة الأوثان، وتأليه الأحجار التي يصنعونها بأيديهم ويعبدونها ... فهل كانت الشجاعة والكرم نفعتهم شيئاً، أو جمعت لهم شملًا، أو وحدث لهم كلمة؟ .. كلا! .. بل كانوا بحيث يقتل الأخ أخاه، والولد أباه، والعشيرة الواحدة بينها حروب كثيرة.
وما يزالوا يتخبطون في سنادس الظلم والظلمات، وقتل الأولاد والعشيرة .. فكانت أمة فاسدة، وشعباً مبعثراً، وقوة متفرقة .. انقلبت الحسنات منهم سيئات، والملكات هلكات، والفضائل رذائل .. إلى أن لطفت بهم العناية الآلهية، ونظرتهم عين الرحمة .. فأبتعثت إليهم ذلك المصلح الآلهي، والطبيب الرباني، والناصح الشفيق، فصدع فيهم بدعوة الحق، فوحد كلمتهم، وجمع قوتهم، وطهرهم من عبادة الأصنام ورجس الأوثان، وغسل عنهم درن الأحقاد والأضغان، حتى صحَّ فيهم قوله تعالى: [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا].