الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٣ - وصايا وعظات
هذه الكائنات بأجمعها، من أرض وسماء، وإنسان وحيوان، ونبات وجماد .. كانت أجزاء متفرقة وعناصر متباينة، ثم جمع الله جزءاً إلى جزء، وضمَّ بعضها إلى بعض، على نسب مخصوص ومقادير معينة، حتى حصلت لكل كائن وحدة بها ظهرت فوائده وبرزت في الوجود آثاره، وحال الكل حال الابعاض، وحال الأمم حال الأفراد، فكما إن الفرد عدة أجزاء متباينة، من دم ولحم وعظم وأعصاب، قد أنضم بعضها إلى بعض حتى حصلت لها وحدة تجمعها من الروح الانساني أو الحيواني، فصار شخصاً ماثلًا، وكائناً كاملًا، يضر وينفع، ويعطي ويمنع، وله آثاره وخواصه .. فكذلك الأمة إذا أنضم بعض أفرادها إلى بعض، وحصلت فيها روح واحدة تجمعها، وتجعلها تحس بحس واحد، وتتحرك وتسكن بشعور واحد ... هناك تكون أمة حية تحفظ كيانها، وتشيد بين الأمم أركانها، وتصون عزّها من الذل والاستعباد، وتصلح ما يطرأ عليها من الخلل والفساد.
واعلموا- أيها المسلمون- أننا لو ملأنا آفاق السماء وفجاج الأرض عجيجاً وضجيجاً ودعوة إلى الوحدة، بإقامة البراهين الدامغة والحجج البالغة .. لم يجد ذلك شيئاً ما لم تتحقق فيكم تلك الروح الواحدة، وذلك الحس والشعور الذي يدفعكم إلى تناصف بعضكم لبعض، وعدم استئثار بعض على بعض. وتلك الوحدة المنشودة التي تتكون بها الأمم وتستدر بها السعادة والنعم ليست هي لفظاً وقولًا وخداعاً ومكراً، ولا تثمر تلك الثمرات ولا تترتب تلك الغايات إلَّا على الأعمال الجدية، وخلوص النية، والولاء الصريح، والإخاء الصحيح، و (أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه). وقد كانت هذه الكلمة البارعة والوصية الجامعة، من أهم وصايا رسول الله لأمته التي لا يزال يقرع بها أسماعهم ويكررها عليهم، ولكننا قد أضعناها وحفظها الأجانب. أخذوها منّا وتغلبوا بها علينا، ونحن أحق بها وأولى ...
فرض لازم وحتم واجب على كل مسلم أن لا يسأل إنساناً إلَّا عن الشهادتين وجامعة (لا إله إلَّا الله محمد رسول الله)، فإن وجدها لا يسأل عن شيء بعدها.