الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٦ - الخطبة الثالثة
ثم عقب- جلَّ شأنه- تلك الفقرات النيرات بالبينات العالية، حيث قال- وما أعلاها من كلمات- قال: [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ].
وبيان ذلك: أنه- تعالى- يقول: أيها الناس! إنا أرسلنا إليكم الرسل بالمعجزات البينات أولًا، وشرعت لكم القوانين النافعة وأنزلت بها الكتاب ثانياً، وفرضت عليكم العمل والتطبيق ثالثاً، وجعلت القوة التنفيذية بعد التشريع رابعاً ... والغرض من كل ذلك صلاحكم، ولكي أنظر من ينصر الله حتى أنصره، ومن يعز ديني وشرائعي حتى أعزه.
أيها الناس! هذه تعاليمي وشرائعي وحكمي وأحكامي، فمن ينصرني فيها فأنا له ناصر، ومن لا ينصر الله فيها فإن الله قوي عزيز ... قوي على الانتقام، عزيز لا يضام.
هذا نظم الآية الشريفة على الإجمال، ولكن السر في ذلك كله- أي سر الحاجة إلى ارسال الرسل وإنزال الكتب ووضع الميزان بالقسط ووضع الحديد ذو البأس الشديد هو إنَّ الله- جلَّ شأنه- بسابق حكمته لما أوجد الإنسان في بدء فطرته جاهلًا لا يعلم شيئاً- وأي بلاء أبلى من الجهل!- [والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا] .. نعم! وكما أوجد مفطوراً على الجهل كذلك أوجده محتاجاً فقيراً فاقداً لكل ما يحتاج إليه، حتى إن البهائم والحشرات، بل وكل مخلوق في بدء تكوينه وأول ظهوره، قد يكون خيراً من الإنسان .. يولد عارياً من كل شيء، من ساتر جسده، وماسك رمقه ...
ثلاث غرائز وجدت مع الإنسان هي أصل كل بلاء عليه وخسران: الجهل، والعجز، والفقر. ولكن قد تداركته العناية وشملته الرحمة، فجعلت لكل واحد من تلك المهلكات الثلاث أسباباً لزوالها. وجعل الإنسان على مقربة أستعداد وأوفى عدة لعلاجها.
جعله مستعداً لعلاج الجهل بالعلم، ورفع العجز بالاقتدار، وإزاحة الفقر بالغنى .. ولكن من طرق خاصة وأساليب معينة، وارسال الرسل، وإنزال الكتب، ونشر التعليم، إنما هي لتعيين تلك الأساليب وتشخيص تلك الوسائل الموصلة إلى الغاية التي هي النجاة من تلك المهالك والفوز بالسعادة الأبدية.